كل دول العالم يتغير الوزراء بشكل مستمر، ولا يعني ذلك أن أحداً له الأفضلية المطلقة على الآخر، لأن كل مرحلة تتطلب تغييراً من خلال قرار تتخذه الحكومات لما ترى فيه من صالح سياسي وتنموي، كما أن ضخ الدماء الجديدة عنصر مهم في تطوير العمل الإداري ورفع مستوى التوازن بين "الرضا والأمل" في المجتمع.
خلال الأسبوع الماضي تم تعيين مجموعة كبيرة من الوزراء في وزارات مختلفة تفاوتت بين وزارات خدمية ووزارات إنتاجية ووزارات تربوية ووزارات ذات علاقة بإدارة التراث العقدي وشؤونه، وقد استقبلت هذه الوزارات مجموعة من الوزراء الذين يمكن أن يطلق عليهم انهم من فئة (التكنوقراط) حيث تشكلوا من طبقة علمية مثقفة ذات مهارات فنية في تخصصاتها.
ولعل السؤال المهم هو ما جعلته عنوان لهذا المقال: ما معني أن يتغير الوزراء سياسياً وتنمويا...؟، في الحقيقة ان هذا السؤال مهم بدرجة كبيرة للمجتمع الذي يجب عليه أن يتعاطى مع فكرة التغيير في المناصب الحكومية من خلال فهم لدور المجتمع في إنجاح عملية التغيير لصالح المجتمع والتنمية، فلم تعد المجتمعات ساكنة وغير متشاركة مع المستوى البيروقراطي في حكوماتها، فخلال عقد من الزمان وكنتيجة مؤكدة للتطور التقني وظهور الإعلام الاجتماعي الجديد وسهولة التواصل بين طبقات المجتمع وفئاته أصبحت المجتمعات عاملاً مهماً في دعم منهجية التطوير على كل المستويات.
هذا السؤال أيضاً أوجهه للوزراء أنفسهم وهم أمام مهمة وطنية ليست سهلة فالثقة التي تمنح لهم من قبل القيادة تجعلهم أمام تحدّ كبير لكي يتعاطوا فعلياً مع مثل هذا السؤال المهم لمعنى أن يتغير الوزراء وما هو المطلوب من الجميع تجاه المجتمع، ففي طبيعة مجتمعنا السعودي هناك درجة عالية من التوافق بين اختيارات الحكومة للمسؤولين وبين تأييد المجتمع لهذا الاختيار وذلك بسبب الدقة العالية التي يتم فيها اختيار الوزراء في المجتمع.
جميع هذه الاختيارات من الوزراء تم الترحيب بها من المجتمع في إشارة سياسية تدل على رضا تام لطرح هذه الأسماء لتقود العمل الحكومي البيروقراطي، وهي فرصة تاريخية مميزة تتاح لهم كي يترجموا هذه الثقة الملكية إلى واقع حقيقي لخدمة الوطن، فمعني أن تكون وزيراً في هذا المجتمع كما أعتقد شخصياً: أن تتشكل لديك القدرة على ترجمة الطموحات السياسية والمجتمعية إلى مكونات تطويرية تراعي البناء القيمي والثقافي والتراثي في المجتمع وجعل مفهوم التطور والنمو يرتبط بهذه المكونات ليتحول إلى جزء متوافق معها يساهم في تحديثها.
ولعل سؤالاً آخر يجب مناقشته هو كيفية جلب تلك القدرة وكيفية الوصول إلى الإبداع في اللغة التطويرية...؟، لكي يتمكن الوزير الذي تم اختياره من العمل كمترجم حقيقي لهذه اللغة الإدارية التطويرية التنموية، فالترجمة التي تعني التحويل من واقع إلى آخر: لا تقتصر فقط على اللغة، ففي كل عملية تحويل فكري أو لغوي أو مادي أو ثقافي هناك ترجمة تعني القدرة على الإبداع في نقل المدلولات بين واقعين، لذلك فإن أخطر المنعطفات التي يمكن أن يمر بها المسؤول الإداري في الترجمة التطويرية أو التنموية أن تكون ترجمته في العمل الإداري حرفية لا تمنح أي شكل من الإبداع لدى متلقي الخدمة.
لذلك فإن معنى التغيير الوزاري عملياً يعود بناء إلى المهارة التي يجب أن يتمتع بها الوزير لكي يكون قادراً على فهم عنصرين مهمين في عمله القادم، فلكي يترجم هذه الثقة الحكومية إلى واقع ولكي يترجم تطلعات مجتمعه إلى واقع، هناك متطلب رئيس هو القدرة على فهم طرفي المعادلة في العمل الوزاري، يتمثل في فهم عميق لمتطلبات المجتمع في مقابل متطلبات التنمية، والنجاح المؤكد يتمثل علمياً في فهم هذين الطرفين وتحقيق التوازن بينهما.
المسؤول الراغب في إحداث تحولات مرغوبة في المجتمع عليه أن يتنبه إلى ما يسميه عالم الاجتماع (ماكس فيبر) العقلانية الجوهرية "التي تتمثل بالسعي إلى تحقيق الوسيلة الأقدر على تحقيق الغاية" ويتم ذلك من خلال مراعاة شديدة للبناء القيمي والثقافي في المجتمع.
المهمة المجتمعية لأي وزير ليست عملية إدارية لجهاز وزاري يتكون من موظفين فقط، فالمهمة المطلوبة تتجاوز ذلك بكثير فعندما يتم منح الوزير الثقة الحكومية فهذا يعني أن هناك توقعات سياسية مرسومة يجب تحقيقها عبر هذه الفرصة، كما أن هناك تطلعات مجتمعية تنتظر خارج مبنى الوزارة في المجتمع.
قد تبدو العملية واقعياً أكثر تعقيداً منها نظرياً، وهذه حقيقة ولكن هذا لا يعني التوقف، فالمسؤولية تشبه إلى حد كبير إنزال مركبة على سطح المريخ الهائل، فلابد من تحديد نقطة لا تتجاوز مساحتها المترات للهبوط، وهكذا العمل الإداري الوزاري لابد من تحديد نقطة الهبوط بدقة حيث ينقل العالم كله هذا الحدث وتتناقله المجتمعات لأنه إذا نجحت هذه المهمة أصبح من السهل اكتشاف المساحات الباقية من السطح البيروقراطي.
المسؤولية الوزارية تتطلب عيناً "تلسكوبية" دقيقة كي تنجح في المجال الإداري فكل الأمراض البيروقراطية لا تختلف عن الأمراض البكتيرية أو الفيروسية، أسبابها بكتيريا وفيروسات لا ترى بالعين المجردة بالنسبة للمجتمع، لذلك يجب على المسؤول الوزاري أن يكون قادراً على تحديد هذه النقاط الحيوية الدقيقة في مهمته الإدارية.
إن عمومية الرؤية في العمل الإداري هلاك، فالمسؤول فرد ذو حجم صغير أمام وزارة كبيرة لديها عشرات المئات من الموظفين والعاملين والمرتبطين بها: لذلك عليه أن يدرك أين ومتى يجب أن يحدد نقطة الهبوط لأن الحقيقة المجتمعية المطلقة تقول"إن العين الاجتماعية النقدية تنتظر فقط نتائج تنتشر في مساحات شاسعة من المجتمع.
إن مسؤولية الإداري الناجح مهما كان موقعه تتطلب قيادة إبداعية فذة، لا تعني التدخل في دقائق الحياة الإدارية وتفاصيلها، لأن في ذلك استهلاكاً للطاقة الفكرية والبدنية، فنفق التفاصيل الإدارية طويل ومهلك، بقدر ما تعني قيادة استراتيجية تجعل من العاملين مهتمين بدقائق الحياة الإدارية بهدف تقديم خدمات مجتمعية ذات كفاءة عالية.
لذلك يمكن القول إن المسؤول الذي ينشد النجاح تقع عليه عدة متطلبات: أولاً أن يتحدث بلغة المجتمع بعيداً عن كلمات مثل (مازال، وانطلق، وتحقق، ويجري، الخ، ثانيا: أن يكون هناك توازن بين وعوده وإمكاناته، ثالثاً: ألا تكون ترجمته التطويرية والتنموية حرفية يصعب فهمها وتلمس نتائجها، وأخيراً أن يضع استراتيجية مبنية على أهداف واضحة مختصرة يمكن تطبيقها خلال فترته الزمنية التي سوف يبقى فيه مسؤولاً عن جهازه
[U]نقلا عن الرياض [/U]
