يقول الخبر إن قسا بولنديا ابتكر نظام البصمة في كنيسته ليكتشف غياب مرتادي الكنيسة عن حضور القداسات ،وكان سابقا يعتمد نظام التوقيع قبل أن يصل إلى الاكتشاف التقني الخطير الذي يتيح له التأكد من التزام المصلين بالحضور من بصمات أصابعهم ،كما ورد في خبر لصحيفة (Gazeta Weyborcza) اليومية البولندية !
وفي فيلم ( شوكولاتة ) تحط البطلة (جوليت بينوش) في قرية فرنسية متشددة ،يبرع فيها قس الكنيسة في استحلاب دموع المصلين - بناءً على رغبة عمدة المدينة المتشدد- الذي يقيس قدرات القس ويقيمه بقدرته على استمطار الدموع ،وإلهاب مشاعر المصلين! وبينما تغرق القرية في ممارسات التشدد وكراهية الحياة ليتم للعمدة السيطرة عليها، تحضر الشوكولاتة التي تصنعها البطلة في مصنعها الصغير، بمذاقاتها المختلفة وقدرتها على تغيير مزاج الناس ،كرمز ودلالة على حب الحياة المجبول في النفس البشرية ! لينتصر أخيرا حب الحياة على ممارسات التشدد وشكلانية الطقوس وطوبائية الوعظ ،فيدمن سكان القرية شوكولاتة البطلة رغم شعورهم بالذنب وهم يتناولونها ! وأنت تتابع تطورات الأحداث داخل مجتمع القرية المتشدد بشخصياته المختلفة وصراعاتها النفسية بين حب الحياة وواقعها ،وبين مثاليات ذهنية التشدد المستحيلة التطبيق ،لا بد أن تستحضر ملامح شخصيات تراها في محيطك لها ذات الملامح وإن اختلف القالب الخارجي ! بينما تضع يدك على ملامح شخصيات أخرى تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة ،وتختزل الدين والتدين في الطقوس والشكلانيات بعيدا عن جوهر الدين المتسامح.
عند التأمل في ذهنية التشدد سنجد أنها جميعها تحمل ذات الخصائص ،ويمكن بسهولة رصد ملامح فكرية محددة ومشتركات نفسية بين المتشددين في مختلف الديانات ! فكثيرا ما يعتقد المتشدد أنه موكل إليه أمر العباد ليقيس درجة إيمانهم والتزامهم ثم يقيمهم فإما جنة عليين وإما أسفل سافلين ،وذلك طبقا لما يراه ظاهريا من ممارسات يحكم بها على خلق الله ! تناصب ذهنية التشدد الحياة - بممارساتها التلقائية واحتفائها بالفرح - العداء ! ليتحول حب الحياة إلى جريمة تستحق معها النفي والنبذ والخروج من جنة التقوى والورع ،في تجاهل تام لأهمية هذا الحب في عمارة الأرض وإحيائها والتغلب على مشقة الحياة ! وليتساوى حب الحياة مع حب الدنيا رغم الاختلاف البين بينهما ،فحب الدنيا يهبط بالإنسان إلى العبّ من الشهوات ،بينما يرفع حب الحياة المرء إلى ممارسة تفاصيلها عمقا وعرضا وإدراكا واعيا لمعانيها وتأملا مستبصرا لأهدافها العميقة ! يشكل الشك والتشكك في النوايا وادعاء معرفة ما تكنه القلوب أحد مكونات ذهنية التشدد ،ناهيك بالطبع عن الوصاية ومراقبة الناس ثم السعي – بالجبر- لتقويم اعوجاجهم !
يشترك كافة المتشددين في إحساسهم بالتفوق على باقي خلق الله من العصاة والخاطئين- في مقاييسهم- ،وكأن التزامهم وتمسكهم بالتفاصيل يضمن لهم القبول ويعطيهم الأفضلية ويؤهلهم لتقييم الناس والحكم عليهم !!