العديد من الأسئلة تطرح هنا ومن بينها: لماذا فشل وانتكس فكر التنوير ومشروع النهضة العربية منذ نشوئه في أواسط القرن التاسع عشر؟ ولماذا نجحت مشاريع مجايلة له أو لاحقة عليه في مناطق ومجتمعات أخرى من العالم؟، وهل هناك إمكانية لاستئناف ذلك المشروع من جديد في مفاصله الأساسية الحاسمة ضمن بيئة وظروف داخلية وخارجية متغيرة ومعقدة أفرزتها ثورات وانتفاضات الربيع العربي؟. يعزو البعض أن سبب فشل المشروع النهضوي يعود إلى عوامل خارجية، تتمثل بنظرية المؤامرة، مثل القضاء على الخلافة التركية، وهيمنة الاستعمار والإمبريالية لاحقا، فيما يعزو آخرون السبب، إلى عدم جذريته في إحداث قطيعة مع الماضي والتراث، وفشله في تمثل قيم الحضارة الغربية والأخذ بمستلزمات الحداثة والمدنية المعاصرة في مفاصلها (الحرية، المساواة، العقلانية، العلمانية، المواطنة) الأساسية. قبل كل شيء نشير إلى تعثر جهود الإصلاح الديني في المجتمعات العربية، الذي حمل لواءه وعمل على ترسيخه الرواد الأوائل من علماء الدين المصلحين، ممن قاموا بترهين الفكر الديني، وفقا لمتطلبات الحياة والزمن والواقع المعاش. من منطلق مصالحة الدين مع منجزات ومكونات الحضارة المعاصرة، وخصوصا دعوتهم إلى تبني مبادئ العقلانية والحداثة في التعليم والتربية والإنتاج والإدارة والقضاء والسياسة والموقف من حقوق المرأة، غير أن تلك الجهود سرعان ما تبعثرت بعد غيابهم، خصوصا مع افتقاد الحامل والتكوين الاجتماعي الداخلي الحديث الذي يسنده، وعجز النخب الدينية والفكرية العربية عن متابعة إرثهم، وفي توليد نسق من المفاهيم والمقولات الجديدة التي تستجيب لخصائص وظروف تشكل وتطور المجتمعات العربية، لذا ظلت أسيرة الهروب إلى الموروث والتراث الماضوي، وإسقاطه التعسفي على الحاضر، أو الهروب إلى الآخر (الغرب) ومحاولة الذوبان والاندماج فيه، وفرض تجربته (التي لها سياقاتها التاريخية والموضوعية المختلفة) في تفاصيلها على الواقع العربي المغاير، كما فشلت محاولة التوفيق والتلفيق ما بين الحفاظ على مكونات الهوية والتراث من جهة، وبين النقل الانتقائي والسطحي لمظاهر تقدم ونهضة وحداثة الغرب من جهة أخرى. كل ذلك أفرز وضعا هجينا على المستوى الحضاري والاجتماعي والثقافي والنفسي، يتمثل في سيادة المجتمع الأبوي المستحدث، الذي يعبر عنه في تكريس التسلط والاستبداد، وغياب أو تغييب مفاهيم وقيم إنسانية كونية عامة، أصبحت إلى حد كبير ملزمة وراسخة في معظم أنحاء المعمورة كالحرية والديمقراطية والعدالة والتعددية وحقوق الإنسان. وبالطبع لا يمكن إغفال العوامل الداخلية الأخرى الكامنة في المجتمعات العربية التي تتمثل في أنساقها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التقليدية السائدة، التي تتسم بالتخلف والانقسام والانفصام، ورسوخ العادات والتقاليد البالية، وقيم القبيلة والعشيرة والطائفة، وشيوع اقتصادات ريعية ونشاطات طفيلية وهامشية غير منتجة، ناهيك عن الفشل الذريع للنخب العربية التقليدية أو «الحديثة» على اختلاف مكوناتها، رغم تأثيرها الإيجابي ومساهماتها الملموسة في بعض المراحل، وخصوصا إبان مرحلة النضال ضد هيمنة الاستعمار والتمدد الصهيوني في الخارج ومن أجل العدالة والحرية في داخل مجتمعاتها، غير أن تلك النخب والنظم العربية سرعان ما انجرفت إلى صراعات عبثية، في ما بينها وفي داخلها. القوى والتيارات الوطنية والقومية التي استولت على السلطة عن طريق الثورات الشعبية (الجزائر اليمن الجنوبي) أو الانقلابات العسكرية (مصر، العراق، سوريا، اليمن، السودان، ليبيا) مع أنها حققت بعض المنجزات على صعيدي التحرر من الاستعمار والهيمنة الأجنبية، وتدشين بعض الإصلاحات الاقتصادية / الاجتماعية مثل تأميم المصالح الأجنبية، وسن قوانين الإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم والصحة، وتأسيس نواة لصناعة وطنية، بمساعدة ودعم من الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي آنذاك، غير أن النخب العربية التقليدية و «الحديثة» الحاكمة على حد سواء فشلت في إرساء دولة القانون والمؤسسات، وترسيخ مبادئ وقيم المواطنة والحرية والديمقراطية والمساواة .. وللحديث صلة.
نقلا عن عكاظ
- اليوم الوطني / المملكة في يومها الوطني.. مسيرة عز
- عضو مجلس الشيوخ المصري حازم الجندى: مخرجات القمة المصرية السعودية تعكس وحدة الموقف العربي
- رئيس سدايا المملكة توازن بين تسريع ابتكار الذكاء الاصطناعي وحوكمته بمسؤولية
- الوطن السعودي يحتفل ب 12 عاما من تولي الملك سلمان الحكم
- التعاون التجاري والاستثماري بين الصين والسعودية يتوسع ويترقي بشكل مستمر
- رابطة العالم الإسلامي ترحِّب بقرار حكومة بريطانيا حظْرَ استيراد السِّلع من المستوطنات الإسرائيلية
- انطلاق الملتقى التنسيقي الخامس للمؤسسات السعودية المعنية باللغة العربية
- وزير الدفاع السعودي يصل إسطنبول لرئاسة وفد المملكة في أول اجتماع للجنة الدفاعية لاتفاقية مكة
- وزير الاتصالات السعودي يشيد بالتقدم العلمي والتقني للصين ويؤكد تعزيز الشراكة معها
- إطلاق “الحي الرقمي بالرياض” لجعل العاصمة من أفضل 10 مناطق تقنية في العالم
إجهاض المشروع النهضوي وصعود الأصولية الإسلامية
Permanent link to this article: http://www.alwakad.net/articles/72782.html
