ستبقى المعركة في حركة الكرّ والفرّ بين الشعب السوري وحكومته، لكن حالة التضييق المستمرة، وأخذ العبرة من وضع العقيد الليبي الذي يوشك على الهرب، يضعان سلطة دمشق في حالة انتحار طويل الأجل..
فأمريكا وأوروبا وحلفاؤهما في العالم، أدركوا أن لاشرعية لسلطة الأسد، وهي مسألة يعجز عن مقاومتها إذا مابدأت عملية الحصار والمقاطعة، وحبسُ المسؤولين في الداخل لممارستهم العنف جعلهم قيد الملاحقة والقبض، وقد لايجد المسؤولون إلا طريق بغداد للعبور لإيران، وهما اللتان تستطيعان تزويد دمشق بالمال والسلاح وحتى الأشخاص لقمع الثورة، ومع ذلك فالعائد المادي مهما تعالى، لا يستطيع أن يتساوى مع الإنفاق لأن من يعملون في ظل الحكومة السورية، ويتناغمون مع سياستها هم أقرب للمرتزقة، وبالتالي فإن أي خلل يقطع عليهم رواتبهم أو يخفضها، أو لايدفعها، سيجدون أنفسهم مع الطرف الآخر، وهو الذعر الذي تضع له السلطة الحسابات المعقدة.. كذلك الأمر بالداعميْن، فهما لايستطيعان اقتطاع مبالغ هائلة تثير عليهما سخط مجتمعاتهما، وسورية تختلف عن حكومة صدام حسين عندما قاوم الحصار بموارده النفطية، سواء بتعزيز الجيش، أو المخابرات والشرطة، ما جعل الشعب العراقي هو من يدفع الثمن..
ولاتماثل ليبيا التي جاءت «فزعة» حلف الأطلسي وأمريكا من أجل عوائد النفط في المستقبل، واحتكار إعادة بناء ليبيا التي تحتاج إلى بنية أساسية ومشاريع في مختلف المجالات، لذلك فإن مغريات الجغرافيا السورية الاستراتيجية لا تضعها في المقابل المادي، بمعنى أن إحجام الغرب عن التدخل جاء بدوافع حسابات المكسب والخسارة، وسورية تفتقد هذا الجانب المحفّز..
روسيا، وعلى ذكريات حلفاء اليسار القديم، تريد إبقاء علاقتها مع دمشق من أجل إبقاء صديق قديم على نفس المشاعر، وحالات التضامن، لذلك عارضت وجهة النظر الأمريكية، والأوروبية، وتدعم الجيش السوري بالأسلحة، لكنها لاتستطيع إغفال المشاعر الشعبية وتيارها الساحق، وهي تبقي فقط على رهان أن بشار الأسد لايزال في مركز قوة، لكنها ستتضاءل أمام الزحف الجماهيري مهما كانت قدرتها على الصمود، وروسيا ستأخذ في اعتبارها كلّ الاحتمالات لتبني عليها علاقات المستقبل..
إيران بدأت تدرك أن سقوط الحليف السوري يعني مشكلات لحزب الله، وأنصارها في بغداد، وأن مطبخ المؤامرات في دمشق الذي ظل يعمل لصالحها بما فيها حالة الاستعراض لأسطولها البحري الذي رسا في اللاذقية والموانئ السورية الأخرى، لن يجد طريقه إليها، ورهانها القائم على نجاح تجربتها مع المعارضة الإيرانية يفتقد الحس التحليلي للموقفين، إذ إن ما يجري في سورية ليس معارضة بل هو ثورة شعب تتسع كل يوم ما سيضعف القبضة العسكرية والأمنية، ولذلك ضاعت بوصلة إيران وصارت تحاول افتعال مواقف تجاه دول الخليج وتعزيز بعض الفصائل اليمينية لتخفيف الضغط على حكومة دمشق، لكن فتح باب الإدانة لأعضاء في حزب الله في جريمة قتل الحريري من قبل المحكمة الدولية أضاف لها مشكلة أخرى ربما تعجز عن التعامل معها وفقاً للقرائن الدامغة التي أدانت حزب الله ومن يرعاه..
نقلا عن الرباض
