صار الكلام على قتل الأنظمة القمعيّة للصحافيّين كلاماً قديماً وبالياً. هذا لا يعني أن تلك الأنظمة كفّت عن القتل، بما فيه قتل الصحافيّين، كما لا يعني أنّها باتت قابلة للتعايش مع الإعلام الحرّ من أساسه.
مع ذلك، ففعل القتل الفيزيائيّ بات امتياز الحروب والفوضى الأهليّة: فهذه الأخيرة، عبر ميليشيات ومنظّمات وتنظيمات وفصائل تحمل شتّى اليافطات الإيديولوجيّة «يمينيّة» و «يساريّة» وبين بين، هي التي تحتكر لنفسها حصّة الأسد في هذه المهمّة.
هذا ما توصّلت إليه أرقام منظّمة «برس أمبليم كومبني» غير الحكوميّة من جنيف. فقد قُتل، خلال العام الذي ينصرم، 105 صحافيّين وهم يؤدّون عملهم في 33 بلداً. وهذا ما عكس بعض التحسّن قياساً بأرقام 2009، حيث قُتل 122 صحافيّاً. إلاّ أنّه تحسّن لا يشير إلى تحوّل فعليّ وعميق بدليل أنّ رقم العام هذا أسوأ من رقم القتلى الذي سجّله العام 2008.
على أيّة حال فالمعاني الأهمّ والأصلب تقيم في مكان آخر: ذاك أنّ البلدان الأخطر هي المكسيك، حيث تنشط عصابات تهريب المخدّرات التي تنخرط في اشتباكات يوميّة مع رجال الأمن، وباكستان، لا سيّما مناطقها الحدوديّة مع أفغانستان، حيث تنشط «القاعدة» كما تنشط الحركة العسكريّة الغربيّة والباكستانيّة التي تتعقّبها من دون كبير نجاح.
وتحلّ في المرتبة الثالثة هندوراس، ومن بعدها العراق، وفي البلدين تتعثّر محاولات إنشاء نظام سياسيّ على درجة من الاستقرار والثبات. والمعروف أنّ العراق، على مدى السنوات الخمس الماضية، وبمجموع أرقام قتلاها من الصحافيّين، احتلّ المرتبة الأولى عالميّاً، حيث قُتل فيه 127 صحافيّاً. وقد باتت مهمّة الصحافيّ في بلاد الرافدين تنطوي على احتمال انتحاريّ، علماً بأنّ الموقف الرسميّ من حريّة الصحافة، منذ 2003، متقدّم بأشواط عنه في سائر البلدان العربيّة.
قصارى القول إنّ اللانظام يتفوّق اليوم على أسوأ الأنظمة لجهة ارتكاب القتل، من دون أن يستبعد هذا الواقع وجود أنظمة استبداديّة لا تكتفي بأساليبها الداخليّة والكلاسيكيّة في الاستبداد، فتتوسّل أيضاً منظّمات اللانظام في جوارها. لكنْ إذا كان النظام «يقمع» و «يقيّد»، وهو يفعل بإفراط، فإنّ اللانظام يمنع الولادة أصلاً، أي أنّه يستأصل ما يُفترَض وجوده كي يقوم النظام السيّئ بقمعه وتقييده. وإذا كان النظام السيّئ ينشئ كائنات مطواعة ومؤسّسات تكمّله وتلبّيه، بالكذب والتزوير وليّ عنق الوقائع، فإنّ اللانظام يحول دون قيام تلك المؤسّسات أصلاً.
وهذا من سمات زمن ما بعد الحرب الباردة، وصعود الهويّات الصغرى صعوداً ظافراً على حساب منظومة الدول الوطنيّة. والحال أنّ السمة تلك بوصفها أسوأ ما أنتجته العولمة، تخلط الأهليّ والدينيّ والعصاباتيّ والإيديولوجيّ فيما تسلّح هذا الخليط بأسلحة فتك لم تكن منتشرة ومتفشّية في السابق تفشّيها اليوم.
ويخشى أحياناً أن تقود معارضة الأنظمة السيّئة، بينما هذه القوى تحديداً هي المعارضات البديلة المتوافرة، إلى أن نجدنا أمام الخراب المفتوح والقتل المباح.
فقاتل الصحافيّ، في هذا المعنى، هو انعدام الدولة. ومهمّة الصحافيّ، في الدرجة الأولى، أن يدفع في اتّجاه قيامها، أقلّه من أجل الحفاظ على نوعه من الانقراض. أمّا مقاومة قمع الأنظمة السيّئة فيأتي في المحلّ الثاني.
نقلا عن الحياة السعودية
