ولا أدري حقيقةً ما جدوى حصول إحدى مؤسساتنا على جائزة أو تصنيف من منظمات دولية مغمورة وراء البحار، سوى تحقيق ضجة إعلامية. إلا أن هذه الضجة الإعلامية «المفتعَلة» قد تكون مفيدة للمؤسسة فقط على المدى القصير. أما على المدى الطويل، فالنتائج كفيلة بإظهار حقيقة العمل، بعيداً عن تضخيم الإعلام وتشويش بيانات العلاقات العامة.
من المؤسف أن نرى بعض مؤسساتنا يتسرب إليها شيءٌ من أمراضنا الاجتماعية.. كُنا نرى أناساً منّا يتسابقون على أرقام الهاتف والسيارات المميّزة وشهادات الدكتوراة المفبركة، وغيرها من الشكليات التي تُعبِّر عن الخواء الفكري، وتُواريه بشراء الأمجاد الوهمية والإنجازات الواهية.. لكن ما لبث الداء أن انتقل من ناسِنا إلى مؤسساتنا، التي أصبحتْ تُنافس بقوة على توافه الأمور؛ كالأضحم والأسرع والأشهر!
جامعاتنا دخلت في سباقٍ مثير على مراكز بتصنيفات لا طائل من ورائها. الغريب أن أي أكاديمي محترم يعي تماماً أن احترام الكُليّة يأتي من «الاعتراف الأكاديمي» بها من مرجعية أكاديمية دولية معروفة، ومن جودة مخرجاتها وتميُّز أساتذتها ومناهجها، وليس من المراكز المتقدّمة في أشهر موقع إلكتروني، وأكبر مجمّع جامعي، وغيرها من الأوهام.
الهيئة العامة للاستثمار دخلَت هي الأخرى السباق «التصنيفي»، وابتكر مُسيِّروها لحملتهم شعار «10/10»، وجعلوا جُل همهم تحقيق المركز العاشر بحلول 2010م، في تصنيف التنافسية في «ممارسة الأعمال» الذي تصدره «مؤسسة التمويل الدولية» IFC، وهي شركة «هادفة للربح» تابعة للبنك الدولي. و«التنافسية» هنا تعني مدى سهولة ممارسة التجارة والاستثمار في بلدٍ ما مقارنةً بآخر.. وبعد بحث، وجدتُ كثيراً من التصنيفات الدولية المهتمة بالتنافسية، ولكل منها معايير محددة. وهناك تصنيفات مُعتبَرة لا تقل شأناً عن التصنيف الذي اعتمدته الهيئة، إن لم تتفوّق عليه (مثلاً لا حصراً: التصنيف السنوي للمركز الدولي للقدرة التنافسية التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية IMD بسويسرا، وتصنيف التنافسية الاقتصادية الذي يُصدره سنوياً «المنتدى الاقتصادي العالمي» WEF بسويسرا). ولو كنت مسؤولاً في هيئة الاستثمار وقت اختيار التصنيف الذي تم اعتماده آنذاك، لاخترت تصنيفاً يوصلني إلى هدف الهيئة بسرعة، ويساعدها على تحقيق رسالتها «الإعلامية».
السؤال: هل ساعد هذا التصنيف بالفعل في تحسين الاستثمار محلياً؟ هل ازدادت سهولة الإجراءات وانخفضت القيود؟ لستُ متأكداً، فما زال كثير من التعقيدات الإجرائية موجوداً، ولا يحتاج أن نسأل عنها كبار رجال الأعمال، فأي شاب يشق طريقه في عالم التجارة يعرف حجم وشكل المعوّقات الحالية. بالمناسبة، تصنيف IFC الذي اعتمدته الهيئة، وضعَ الشقيقة الإمارات في المرتبة40، بينما احتلت المملكة المرتبة 11 في العام نفسه ! بنوكنا وشركاتنا العقارية دخلت هي الأخرى في سباق محموم على جوائز المجلات الاقتصادية «الانتهازية»، التي لا تتأتى إلا بعد تضحيات مالية يعرفها أصحاب الصنعة .. فكل فترة، نرى إحدى شركاتنا المالية أو العقارية وقد نالت جائزة أفضل شركة في التمويل، وأفضل شركة في المصرفية الإلكترونية، وأفضل شركة في خدمة العملاء، وغير ذلك من الألقاب والبطولات الإعلامية الزائفة. وماذا يعني حصول البنك أو الشركة على جائزة «الأفضل»، والعملاء لا يزالون يعانون سوء الخدمات المُقدَّمة وتناسخها المُمِلّ!
ولم تُفوِّت أنديتنا الفرصة، ودخلت في معمعة التصنيفات المحلية والقارية، فهذا يدّعي أنه نادي الوطن الأوحد، وذاك يتغنى بأنه فارس آسيا الوحيد، وغير ذلك من الضجيج الذي لا يُغني عن «البطولات الحقيقية» شيئاً.. أما بعض مؤسساتنا غير الربحية، فقد ملأت الدنيا ضجيجاً بشهادات الجودة التي نالتها ، بينما لم نرَ أي انعكاس واضح للجودة على عملياتها وأنشطتها!
وهكذا غرقنا شيئاً فشيئاً، أفراداً ومؤسسات، في بحار البهرجة والتفاخر الخالي من أي معنى. وأصبحنا نتنافس على أمور هامشية لا تُقدِّم، وقد تُؤخِّر، وتركنا التنافس على الأمور الجوهرية.. على التقدّم الفعلي والتطوّر النوعي. هنيئاً لوسائل الإعلام قاطبةً بنا.. فلا غرابة في أن يكون بلدنا أكبر سوق إعلانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا !
نقلا عن اليوم السعودية
