نجحت الثورة المصرية في القضاء على فكر سياسي أراد أن يكرس مفهوما للوطنية ينحصر في ملاعب كرة القدم ، وفي استوديوهات التلفزيون حيث يتم تسجيل الأغنيات الوطنية المبتذلة والمليئة بالمبالغات الممجوجة .
وطنية مباريات كرة القدم ، هي نمط من الوطنية المستأنسة التي اخترعتها بعض الأنظمة السياسية في العالم العربي لتسطيح هذه المفردة الجميلة والمفتوحة على شتى بوابات الفعل الإيجابي .
اليوم مصر رمت وراء ظهرها عقودا من الثقافة السلبية التي تتكون من سموم فكرية كانت تهدف إلى تشويه كل ما هو جميل ونبيل وحي في حياتنا .
الوطن عاد إلى حضن المصريين بعد أن تحول العلم إلى رمز في مواجهة الظلم والطغيان والقمع ، بعد أن كان مجرد شعار يرتفع في مدرجات الملاعب ويتم التلويح به في وجوه الفرق المنافسة بغرض الفت في عضدهم . والوطن عاد إلى حضن المصريين وعاد المصريون إلى أحضانه ، منذ أن اكتشف هذا الشعب العظيم أن ميدان التحرير أهم مليون مرة من ستاد القاهرة ، وأن الثورة لا مدرجات الملاعب المكتظة بالمشجعين ، هي الطريق نحو المستقبل المشرق الذي طالما حلم به المصريون والعرب أجمعون .
اليوم شرب المصريون ترياق النجاة ، فسقطت كل الأكاذيب المسمومة التي استهدفت حصر مفهوم الوطنية في فوز المنتخب الوطني المصري لكرة القدم . وغدا سيواصل المصريون امتثالهم التام للشفاء وسيعرفون بما لا يدع مجالا للشك، من دفع بهم إلى المساومة على علاقتهم التاريخية مع الشعب الجزائري من أجل مباراة كروية تحولت على يدي أجهزة الإعلام ومؤسساته الكبرى إلى ما يشبه المواجهة الحربية ..! هل نسيتم ذلك اليوم المشؤوم الذي خرج علينا فيه نائب رئيس تحرير إحدى الصحف القومية الذي كان يشترك في تقديم برنامج تلفزيوني عبر شبكة فضائية عربية ، داعيا إلى قتل جميع الجزائريين المقيمين في مصر انتقاما لما زعم أنه حدث للمصريين المقيمين في الجزائر !
الحركة الوطنية المصرية تحررت بفضل الثورة المجيدة من كل الشوائب ، وعادت إلى نقائها وطهرها الذي سجله لها التاريخ إبان مرحلة مقاومة المحتل الأجنبي . وها هي مفردة ( الوطنية ) تتحرر هي الأخرى وتجدد نفسها وتلفظ ما علق بها من غبار الملاعب ، ومن هتافات المدرجات البذيئة .
الوطنية المصرية ستكون نموذجا يحتذى ليس في المنطقة العربية وحدها .
نقلا عن المدينة
