«إن لم تعجبْك البلد على طريقتي فاخرج منها»... هذه العبارة تتكرر كثيراً في الردود التي يتركها القراء على المقالات والأخبار في الصحف، وبعضهم يدخل في اشتباك مع قارئ آخر لم يعجبه رده، فصاحب رأي متشدد يصر على أن الإسلام له طريقة واحدة للحياة، طريقة متقشفة، ورِعة، زاهدة في جوانب كثيرة من الحياة، ومن لا يؤمن بهذا فعليه أن يبحث عن بلد لا يُحكم بالقرآن والسنة ليعيش فيه. الآخر الذي يطالب بأن يعيش حياته وفقَ قناعةٍ أكثر انفتاحاً وتماشياً مع ما حوله، يتهم المتشددَ بأنه طالباني الهوى، لا تناسبه سوى حياة الجبال والمطاردات مع ميلشيات القاعدة، وعليه أن يذهب إلى هناك. لكن المسألة لن تقف عند هذا الحد متى فُتح ملف «إن لم تعجبك البلد على طريقتي فاخرج منها»، فهؤلاء الرافضون للتعايش والمستعدون لطردك من بلدك، يفتشون دائماً عما يختلف فيك عنهم، هل أنت من إحدى قبائل هذه البلاد العريقة أم مهاجر جئت قبل مئات السنين؟ إذاً، إذا اختلفت معي فهذه ليست بلدك، فارحل عنها.
آلمتني مرة زميلة صرّحت لي بعد هجوم من نوع ارحلي عنا، «أين يريدوننا أن نرحل ونحن لا نعرف بلاداً غير هذه البلاد، ولا نحمل جنسية غير جنسيتها؟». المسبحة لن تتوقف، فهذا آخَر يؤمن بأن احتفالي بيوم الرسول بدعة، وهذا مذهبه ليس مذهبي، وهذا يرى أنّ في عقيدتي شططاً، وهذا يمشي على مذهب شيخ ليس بشيخي... وتضيق الدائرة حتى لا تتسع سوى لأقل من عائلة، وأقل من قبيلة، وأقل من مذهب، وأقل من قول واحد ورأي واحد وزِيّ واحد.
كثير من أمراضنا الاجتماعية وَجَد في رفض التعايش هذا مرتعاً، ففتح نيران الحقد والحسد والنميمة وعدم القدرة على الحب والميل إلى العنف والتلصص على الآخرين والوشاية بهم والصفاقة والجهالة، فالذي يكرهك قادر على تبرير أنه يضطهدك باسم القرآن والسنة، والذي يحبك ويحترم حقك الإنساني في الاختلاف لا يعدم أن يجد له دليلاً من القرآن والسنة، والذي يستجيب ويتعاون مع الحملات التي تطالب بالتبليغ عن سلوكك، إن كنت تاركاً للصلاة أو لا تمشي وفق نظريته، فهو يَشِي بك تحت ستار محبتك في الله والرغبة في هدايتك وحملك عنوة للجنة، سواء أردت أم لم ترد.
القدرة على التعايش ليست سمة ثقافية غربية، لأنها اليوم فارق حضاراتهم عنا، بل كانت جزءاً من ثقافتنا حتى 50 عاماً، أو أقل. ثقافتنا قبلت باليهودي والشيعي والصوفي والفاسق والسلفي، قبلت بالرحالة والمهاجرين، لأن ما جمعهم كان أكثر مما فَرَّقهم، لكننا اليوم، مع ثقافة طارئة اختطفت مفهوم التعايش من حياتنا وزرعت نقيضه في مناهجنا وفي منابرنا وفي صحفنا وفي شوارعنا، صار لزاماً أن تشبهني وإلا فإن البلاد تضيق بواحد منا، وعليه أن يرحل. صارت مواطَنَتُك محلَّ شك من جهته، ومن جهتك، وتخيَّلْ أن تدفع بلدُك الثمن لأنك مختلف.
نقلا عن الحياة السعودية
