المتابع للأحداث التي تعصف بالعالم العربي اليوم لابد أن يقلّب الأمر في ذهنه.
لو حاولنا رصد مسبباتها لوجدناها محصورة في أمور أساسية:
الأولى: حالة من الفساد الإداري والمالي متعاظمة ما جعل المستقبل سوداوياً لأبناء تلك البلاد الثائرة، فكان هذا دافعا للموت من أجل مستقبل أفضل.
الثانية: تتمثل في حالة الفقر والعوز، وليس مرد الفقر قلة إمكانات، ولكن الفساد جعل مدخرات تلك البلاد تذهب لمجموعة دون أخرى ما زاد الهوة بين الأغنياء والفقراء.
ولقد اتضح أن تضخم الثروات في حالة مصر تم بطرق غير مشروعة على امتداد عقود.
الثالثة: التضييق على الحريات، وكثرة مساجين الرأي، ما وسع الهوة بين الحاكم، والمحكوم. ولم يجد نفعا الضرب بالحديد والنار.
الرابعة: الظلم المبرر ولقد رأينا حالة خالد سعيد والبوعزيزي توقدان شرارة، ولكن الحقيقة أن هاتين الحالتين لا تمثلان إلا أقل من 1% من الحالات غير الظاهرة التي يعاني منها آلاف المواطنين في البلاد التي ثارت على واقعها التعيس.
الخامسة: أن التخويف كالحبل فإذا مااشتد أكثر من اللازم انقطع ولهذا رأينا الناس تستقبل الرصاص بصدور عارية، وتنام في طريق الدبابات.
السادسة: الاعتماد على ضمانات واهية سواء تلك الانتخابات المزورة والمعلومة النتيجة سلفا والتي دائما تتعدى 90%.
السابعة: إعلام رسمي بعيد عن الواقع، ولم تسعفهم الخبرة في قراءة الواقع. بل واصل المبالغة في التطبيل لدرجة أعمت المُطبل له. وهناك جيش من الكتاب والفنانين الذين مارسوا تحسين الحالة المزرية، ودافعوا عنها حتى إذا انقشعت الغمامة غُمّ عليهم، فيما زيادة الوعي والقدرة على الاتصال بعيداً عن سيطرة تلك الحكومات أتاحت التنسيق قبل وخلال المظاهرات.
الآن لنفترض أن تلك الدول كانت إحدى اثنتين:
دولة تحترم مواطنيها وتحرص على توزيع الثروة والتنمية بشكل عادل، وتحترم الحريات وتتيح الفرصة للرأي الآخر، وتجعل السجون للمجرمين لا للمعارضين. دولة يستطيع فيها المواطن أن يعمل بشرف ويكسب بشرف. دولة تحارب الفساد.
هل كان الناس سيثورون عليها؟
في الغالب لا لن يقوموا بثورة لأن الوطن الذي يطالبهم بالحقوق حفظ لهم حقوقهم.
دولة كسابقتها ولكنها زادت عليها بتساوي الفرص بين المواطنين وهذا مايقودني إلى سؤال بسيط إذا كانوا يعلمون يقينا بالأفضل فلمَ اختاروا الأسوأ.
ولاختيارهم السيئ فقد دفعوا الثمن غاليا، بعد أن دفّعُوا الوطن والمواطن غالياً.
عجبي!
نقلا عن الرياض

