كان ممكناً لمجلس الشورى أن يستعيد شيئاً من الثقة التي فُقدت به. لم تكن هناك فرصة أفضل من مناقشة مشروع نظام جباية الزكاة، ليثبت أعضاؤه أن حرصهم على المواطنين لا يوازيه حرص. لم ينتظر الشارع السعودي يوماً انتهاء جلسة للمجلس، كما انتظرها أمس الأول. كانت الأعين تترقب القرار الذي سيُتخذ في المشروع والذي كان أهم بنوده الزكاة على الأراضي، فهو في نظر الكثيرين حل ومطلب طال انتظاره. مع الأسف خيبة الأمل كانت هي النتيجة التي خرج بها المواطنون بعد الفشل في مناقشة مثمرة للمشروع، تحت ذرائع ومبررات لم تقنع غير أعضاء المجلس.
لن نتحدث هنا عن تفاصيل فنية اعترض عليها الأعضاء. لن نجادل في 'التفاصيل الشرعية' التي تذرّع بها المجلس، علماً بأنها لم تكن سبباً لعدم إيقاف كثير من الرسوم التي تطبق حالياً. ولن نناقش جدوى نظام جديد لجباية الزكاة، بينما لدينا أساساً مصلحة الزكاة والدخل، وكان من الأجدى تعديل أنظمتها لتتوافق مع التطورات المتسارعة، بدلاً من إنشاء هيئة جديدة لجباية الزكاة. الحديث هنا عن مشروع استغرق نقاشه ست سنوات كاملة، وفي نهاية الأمر يكون الحل العبقري، وفي أول يوم لمناقشته، تشكيل لجنة جديدة لدراسته. لاحظوا أن الأعضاء الكرام ألغوا عمل اللجنة المالية التي عملت على المشروع طوال السنوات الماضية، لتبدأ لجنة جديدة من الصفر. مَن يدري ربما نحتاج إلى ست سنوات أخرى إلى أن يقرّر المجلس إعادته للجنة المالية مرة أخرى. وهنا يبرز سؤال: لماذا لم تُحدد فترة زمنية لعمل اللجنة المنبثقة من اللجنة، بدلاً من تركها تعمل إلى ما لا نهاية؟
لا يختلف اثنان على أن أخطر قضيتين تواجهان المجتمع السعودي، هما قضيتا البطالة والإسكان، وإذا كانت الأولى تتصدى لها الحكومة عبر حزمة من القرارات المتتالية، وتدخل من أجلها وزارة العمل معارك عدة مع القطاع الخاص، فإن القضية الأخرى، وهي الإسكان، لا تزال تراوح مكانها، وحتى مع سعي الحكومة لإنشاء عشرات الألوف من الوحدات الإسكانية، فهذا لا يعدو كونه إجراءً وقتياً وليس حلاً جذرياً، الحل ببساطة، ونحن في دولة مترامية الأطراف، توفير الأراضي السكنية بأسعار معقولة، وهذا لن يأتي إلا بأن يكون المعروض أكثر من الطلب، مما يساعد على تخفيض الأسعار الخيالية التي تتداول حالياً، وهو ما طرح فكرة الزكاة على الأراضي، كأحد هذه الحلول، غير أن أعضاء مجلس الشورى ارتأوا أن يحتفظوا بكرة اللهب في ملعبهم، بينما كان بإمكانهم رميها في ملعب الحكومة وتسجيل هدف، وما أروعه من هدف.
مع الأسف، فإن مجلس الشورى يشغل نفسه كثيراً بقضايا لا تلامس نبض الشارع، فإذا واتته الفرصة على طبق من ذهب، سلك الطريق المسدود وترك كل الطرق المفتوحة. صحيح أن المجلس ليس تشريعياً ودوره رفع مشاريعه للحكومة لإقرارها، غير أنه يستطيع أن يثبت للمواطنين أنه قام بدوره على أكمل وجه، وتفاعل جيداً مع همومهم وقضاياهم، لكن الحكومة هي التي لم تأخذ برأيه. نعم لقد أضاع المجلس فرصة تاريخية يثبت من خلالها أنه فعلاً، لا قولاً، يمثل الشارع السعودي، ولا يبدو أن المجلس حزين على ضياع هذه الفرصة!
نقلا عن الاقتصادية
