لقد جربت الدولة خلال العشرين عاماً الماضية العديد من الحلول لمواجهة مشكلة البطالة وتداعياتها على التنمية بكافة تفاصيلها الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، ولكنها لم تجد حتى اليوم الحل الناجع والحاسم لهذه المشكلة التي أصبحت تؤرق الجميع. فقد أصدرت الدولة عام 1415 ه قرارها الشهير رقم 50 الذي يقضي بالحد من الاستقدام وتحديد نسبة العمالة المواطنة من إجمالي العمالة في شركات ومؤسسات القطاع الخاص، وحاولت بكافة الوسائل الحد من الاستقدام في بعض المهن والوظائف دون جدوى لأن سوق العمل كان قادراً على التكيف مع المتغيرات والسياسات المختلفة التي حاولت وزارة العمل والجهات الحكومية الأخرى تطبيقها.
ثم أنشأت الدولة صندوق تنمية الموارد البشرية الذي أعتبره أهم قرار عملي صدر لدعم جهود تنمية الموارد البشرية الوطنية وتوظيفها في القطاع الخاص. وأعتقد أن الصندوق خلال العشر سنوات الماضية ساهم بقدر معقول في دعم مشاريع التوظيف وبرامج التدريب مما خفف من تفاقم مشكلة البطالة. وأحسب أنه لا يوجد اليوم موظف سعودي حصل على عمل في القطاع الخاص خلال الخمس سنوات الماضية إلا وقد تلقى دعماً مباشراً أو غير مباشر من هذا الصندوق.
من الحلول التي طرحت خلال السنوات القليلة الماضية، ولكنها لم تجد قبولاً عند صناع القرار هو منح إعانة للعاطلين عن العمل قد تساعدهم على مواجهة ظروف الحياة وتمنحهم الأمل في البحث عن وظيفة مناسبة.
لقد ناقش مجلس الشورى قبل عام تقريباً هذه الفكرة ولكن معظم الأعضاء صوتوا ضدها فسقطت. وتناول العديد من الكتاب هذا الموضوع في الصحف المحلية، فعارض البعض الفكرة بنفس الحجج التي طرحها بعض أعضاء مجلس الشورى، وهي أن الإعانة ستساهم في تفاقم البطالة وليس علاجها حيث سيجد بعض الشباب في هذه المبالغ التي يحصلون عليها شهرياً فرصة لمزيد من التسكع والتكاسل والبحث عن الأعذار، فتكون سبباً في صد الكثيرين عن البحث الجاد، وتحمل المشاق وربما الغربة في سبيل الحصول على فرصة عمل مناسبة. ورأى البعض أن هذه الإعانة ستكلف الدولة مبالغ طائلة، وعندما يتم إقرارها وتطبيقها فإنه لا يمكن التراجع عنها بعد ذلك.
وفي تقديري أن هذه الحجج غير منطقية وليست حقيقية، وإنما هي حجج افتراضية لا تستند إلى فهم عميق لآليات عمل هذه السياسة التي طُبقت في كثير من الدول ونجحت - مع حلول أخرى - في معالجة مشكلة البطالة.
فمن جهة لبد من التذكير بأن من مسؤوليات الدولة الحديثة توفير سبل الحياة الكريمة لكافة أفراد المجتمع، والمواطن الذي وصل إلى سن العمل ولكنه لا يجد العمل المناسب، فإن من واجبات الدولة منحه إعانة توفر له العيش الكريم حتى يجد العمل الذي يجعله عنصراً منتجاً وفاعلاً في المجتمع.
ومن جهة أخرى فإن منح إعانة مقطوعة ومحدودة للعاطلين (كأن تكون بمبلغ ألفي ريال لمدة ستة أشهر أو سنة) لن يصد الباحثين عن العمل، بل سيكون عاملاً مساعداً للبحث الجاد عن عمل مناسب، لأن الإنسان الذي حصل على هذا المبلغ بانتظام ويعرف أنه سينقطع عنه بعد مدة، فإن ذلك سيشجعه للبحث بشكل جاد عن تعويض هذا الدخل، بعكس الشاب الذي انسدت في وجهه الآفاق وتقطعت به السبل، وأصبح عالة على أسرته أو أصدقائه، أو تلقفته براثن التطرف أو المخدرات أو الجريمة المنظمة.
ومن جهة ثالثة فإن منح إعانة للعاطلين عن العمل سيوفر لنا ولأول مرة قاعدة بيانات حقيقية ودقيقة عن العاطلين عن العمل: عن نسبة البطالة الحقيقية، وعن الحقائق الديموغرافية بما فيها الخصائص السكانية والتعليمية للعاطلين، فنستطيع بذلك أن نستخرج حلولاً عملية ليس لمشكلة البطالة فحسب، بل ولمشكلة سوء التخطيط لتنمية القوى البشرية على مستوى التعليم العالي والتدريب المهني على حد سواء.
وقد يقول قائل، وماذا بعد الستة أشهر أو السنة التي يحصل فيها العاطل على إعانة مالية، فنقول إن هناك ثلاثة احتمالات، فإما أن يجد الشاب بنفسه فرصة عمل خلال هذه الفترة فتسقط عنه الإعانة، أو أن الأجهزة الحكومية المعنية كوزارة العمل وغيرها ستوجهه إلى عمل محدد من خلال تنسيقها مع شركات ومؤسسات القطاع الخاص، أو أن يتم إيجاد برنامج تدريبي يقضي فيه الشاب فترة إعداد وتأهيل جديدين يتناسبان مع الفرص الوظيفية المتاحة، وبعد ذلك سيكون أمامه فرصة أكبر للحصول على عمل. ولو حدث أن رفض هذا الشاب أو تلك الفتاة هذه الاحتمالات كلها وفضلا البقاء في المنزل، أو التسكع في الشوارع، أو السهر في الاستراحات، فإن الحجة تسقط عن تحميل الدولة والمجتمع مشكلتهما التي لا حل لها..
نقلا عن الرياض
