إذا كان التعريف التقليدي للمثقف لدينا(هو ذلك الموسوعي الذي أخذ من كل علم بطرف) فانه إلى الآن لم تحدد مهمته؟؟
فهل هو ذلك الصندوق الموسوعي الذي يختزن كمّاً وافراً من المعارف والأشعار والأبيات والتواريخ؟ أم أنه نديم السلطان الذي يفسح له مقعداً في بلاط السلاطين للمسامرة والمنادمة واستجلاب الحكم والأمثال وأخبار
الأولين؟
ولا أعتقد أنه إلى الآن قد اتضحت الأدوار المنوطة بالمثقف في مجتمعنا، فمفهوم المثقف صاحب القضية، الذي يعبر عن أحلام وطموحات جماعته أو ما أسماه سارتر وغرامشي (بالمثقف العضوي) لم يتبلور ويتضح تماماً
لدينا، ذلك المثقف الذي يعرّفه المفكر العربي الجابري بأنه(في جوهره ناقد اجتماعي، أي أنه الشخص الذي في جوهره يحدد ويحلل ويعمل على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف دون بلوغ نظام اجتماعي أفضل والوصول إلى نظام أكثر إنسانية وعقلانية)
فالمثقف اختلفت أدواره في العصر الحديث فأصبح هو ذلك الشخص المشتغل بالأفكار، ويعمل على صناعة الأسئلة الجديدة، بالإضافة إلى سعيه الدائم إلى الاستقلال عن السلطات حوله.
وأعتقد أن هذه الأدوار لم تتضح ملامحها في مجتمعنا بعد، لاسيما في ظل السطوة الثيوقراطية وهيمنة خطاب الفقيه، لذا يظل المنبر هو المكان الرئيس الذي يمرر للمجتمع خارطة الطريق.
وهذه الضبابية والغموض في تحديد أدوار المثقف قد يفسر لنا شحة ارتياد والمشاركة في الأنشطة الثقافية على المستوى المحلي؟ فتلك الأنشطة النخبوية شبه المتخصصة والمزدحمة بالمصطلحات الأكاديمية قد تمارس بدورها نوعاً من الفوقية المضمرة على المتابع والمهتم العادي، لذا فإنه سرعان مايعاقبها بالأهمال والإشاحة عنها.
وهو ما يشير له برهان غليون في كتابه اغتيال العقل (ان ردود الفعل الشعبية ضد ثقافة النخبة لا تنجم بالضرورة عن رفض للقيم الحديثة المتضمنة فيها أو عن عداء لها، بقدر ماهي موجهة ضد طابعها الرمزي الأيدلوجي الذي يعكس تمايز نخبة اجتماعية عن الجماعة واستقلالها عنها وتعاليها عليها).
فدور المثقف المتواري خلف عدد من التعريفات، رفع سؤالاً لدى الجماهير، ماذا سيقدم لي المثقف؟ هل سيمرر لي متعة جمالية؟ أم سيقدم لي وعظاً وراحة نفسية؟ أم سيفسر أحلامي وغموض العالم حولي...؟ أم هو محض كاتب صحفي خدماتي أشكو لك همي وبثي فيما يتعلق بغلاء المعيشة؟
ومن هنا باتت حتى محاضرات تطوير الذات تلقى إقبالاً أكبر من الأنشطة الثقافية، فمحاضرات تطوير الذات على الأقل تبيع الوهم ونثار الحكم في معلب حديث وأنيق.
الذي أود أن أخلص إليه من جميع ماسبق أن انحسار دور المثقف في المجتمع من شأنه أن يكرس خطاباً لاعقلانياً صارخ العاطفة تسكنه الخرافة، خطاباً يستهدف الغرائز وتتخطفه الأهواء، ونجومه هم المحرضون والمجيشون والتعبويون، مجتمع يغيب عنه المنطق العقلاني والتفسير الموضوعي والحلم التنويري المستقبلي، تماماً كما تغيب عنه ثقافة الشك والسؤال، ومغامرات الإبداع والكشف، مجتمع أسير حقيقته الأحادية التي ترفض قبول المختلف والتعايش السلمي، والتسامح العقدي، داخل الدولة المدنية الحديثة.
ولعل ماسبق قد يفسر لنا هيمنة خطاب العنف لدينا (بجميع أشكاله) لأن محاضن صناعة الرأي وتوجيهه لدينا مابرحت في أيدي مؤسسات أدواتها العاطفة والانفعال وفكر الخرافة، وليس العقل والمنطق... وفضيلة الشك والسؤال.
نقلا عن الرياض

