قناة المرأة: متفائل و«لكن» !
مساء اليوم تضع الهيئة العامة لتنظيم الإعلام المرئي والمسموع حجر الأساس لقناة «المرأة» الفضائية، في محاولة متأخرة لمنح المرأة مساحة ضئيلة لتقديم نفسها ورسم صورتها الحقيقية لا تلك التي يقدمها الرجل بالنيابة، الفكرة القادمة في زحمة العمل الإعلامي والقنوات الفضائية أشبه بجائزة الترضية للمرأة، وفيها رائحة اعتراف بأن بقية القنوات المحلية لم تتمكن في ما سبق من تقديم المرأة بشكل يليق، وأن السيطرة الذكورية مهيمنة عليها طوال حياتها الماضية، سننجح ربما في حجر الأساس وفلاشات البدايات والحماسة المعتادة عند نقطة الانطلاق، ولكن هل يتربع في الرؤوس مبدأ الاستمرارية والرغبة في المنافسة وتطابق المنتج التلفزيوني مع الرؤية والرسالة والهدف إن كانت مدونة ومكتوبة.
أعني لم أقتنع بالفكرة لأسباب منها: أن القناة لن تتمكن من تقديم عمل هجومي وشامل للخريطة الوطنية، بل ستظل تستقطب الأقرب بحماسة والأبعد على خجل، وستكون أكثر القنوات المحلية مراقبة، لأن المرأة لدينا خط أحمر، ولا بد أن تمرر أفكارها ورغباتها وخططها على المشرط الذكوري، وهو في المنتهج شيخ الإنتاج وسيد الإقرار، القناة ولدت في التوقيت الذي نتبرع فيه - من باب وََطنِي - بربع ساعة من أجل الوقوف أمام منتج قناة محلية، حضَرت ونحن الذين نرى الاحترافية في العمل التلفزيوني عبر القنوات المختلفة بينما لا نزال نصارع محلياً في مربع الهواة، ستكون بيننا في التوقيت المزدحم، وهنا يكون الحمل الملقى على عاتقها ثقيلاً، إلا أن يكون هدفها تلميعاً أو إضافة رقم لقنواتنا المحلية كي نتباهى به، فذاك ما يمسح جل الأسطر الفائتة، وسأستبدلها بالإنشاء المعتاد «وأن القناة ستكون فتحاً عظيماً وانتصاراً للمرأة، وبوابة كبرى لتحقيق نجاحاتها وتدوين انتصاراتها».
إن كنا نعتقد أن قناة «ما» ستعبر بالمرأة إلى مكانها اللائق، فهذا تهوّر في الرؤية والاستراتيجية، نحن استثناء في تقديم قناة خاصة بالمرأة، كما كنا من قبل استثناء في تقديم قناة خاصة بالرجل، قناة الرجل قدمت الضوء اللازم للمرحلة، لكنها اختفت مع زحمة المنافسين وملامستهم لعناصر الجذب والإقناع، وإقصائها الجريء لنصف المجتمع، وقد يحدث لقناة المرأة ما يشبه ذلك.
اليوم سأتفاءل - ولو كتقدير لمن فكر وخطط ونوى العمل - مع حجر الأساس، ولكني أخشى من أن نغلف القناة بالدهانات وأفكار القص واللصق واستدعاء المحترفين بديلاً عن المواطنين لملء الفراغات وسد الشواغر، والإيمان بأن المنتج الشكلي سينافس العقلي، القناة بمثابة توجّه متأخر فضائياً، شجاعٍ في تجاوزه الطابور الاجتماعي، ومتهور إن لم يكن مدفوعاً بأفكار مختلفة ودراسة شاملة للحاجة والجدوى العامة، القناة ستكون أشبه بشمعة في الطريق، لكنها تظل شمعة قابلة للانطفاء الفوري لمجرد كتف ذكوري أو رأي رجولي، وبعدهما نعود منكسرين إلى نقطة الصفر.
نقلا عن الحياة
