التقيت شابا يتوقّد حماساً خارج استوديو البث لإحدى الفضائيات ويبدو أنه كان ينتظر خروجي كما فهمت منه ليطلب المشورة في مشروع بدأه مع اثنين من زملائه. وخلاصة المشروع كما يقول الشاب هو شروعهم في تنظيم قوائم بأسماء أكاديميين وكتاب وإعلاميين ودعاة من داخل الوطن ومن خارجه ممن يراهم هذا الشاب وصاحباه يتخذون مواقف سلبيّة من بلادنا وما تمثله وتعتز به.
قلت للشاب محاولاً استيضاح مبادرته: وماهي معايير هذه القائمة؟ فأجاب بأنهم يراجعون الإنترنت ويرصدون أسماء أصحاب المواقف السلبيّة الذين كرروا التهجم على الوطن وثقافة المجتمع السعودي ورموزه. ثم أكمل باندفاع وحماس قائلاً: نريد دعمك ومشاركتك ورأيك فقد تمكنت أنا وزملائي حتى الآن من تخزين قاعدة بيانات ضخمة وتمكنا من خلالها من إعداد قائمة طويلة تتجاوز الثلاثمائة اسم ثم اختصرناها بعد التدقيق إلى قرابة المئة اسم من مختلف الدول والمشارب.
فقلت للشاب ولماذا لا ترصدون أسماء ومواقف المعتدلين الذين أنصفونا وأنصفوا وطننا في كل المحن والأزمات لتكون بمثابة قائمة شرف وامتنان. فرد بسرعة: ولكنهم كثيرون جدا وقد لا نستطيع حصرهم. فقلت له: لعلّ هذا الاستنتاج المبشّر يستوجب منكم تركيز الجهد والأولويّة على هذه النعمة التي تقتضي الشكر والحديث والإبراز وبضدها ستتميز الأشياء. لم يبد عليه الاقتناع كثيراً وقال إن الدافع لهذا المشروع سيعطي ذات النتيجة فقد وجدنا أن بعضاً من يسيئون لنا يحصلون على بعض المزايا السعوديّة في المحطات التلفزيونيّة وتستضيفهم القنوات والندوات وهم الأكثر صخباً وشغباً على شبكات التواصل الاجتماعي.
حييت الشاب على حماسته وأعطيته رقم هاتفي للتواصل طالباً منه محاولة تحضير قائمة أخرى بأسماء من أنصفونا وأنصفوا بلادنا للحوار حولها وحول المشروع حين تتكامل الصورة. لم يتصل بي الشاب حتى اليوم ولكنه ترك في نفسي انطباعاً لم أتبين ملامحه بين إعجاب بحماسه وغيرته على وطنه ومجتمعه وحيرة من سرعة التصنيف وإشغال المشهد الإلكتروني بقضيّة جديدة في زمن التناقضات حيث اهتزت القيم وحارت الأفهام في تفسير كثير من المعطيات المتسارعة والغريبة.
إنّ مثل هذا الحماس العفوي ودلالته تكشف لنا عن جانب مهم من شخصيّة وتفكير شباب العصر الإلكتروني خاصة وأنني فهمت من هذا الشاب أنهم يعتزمون تخصيص مواقع إلكترونيّة وحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي لتكشف الخصوم الذين حددوهم حتى تكون مرجعاً لمن يريد ولتسجيل المواقف للتاريخ.
ومما أثار شجوني هو استفاضة الشاب في ذكر أسماء سعوديّة يقول إنها أصبحت في صف الخصوم وإنّها لم تقف مع الوطن في المواقف التي تطلبت الذود عنه. ويذكر الشاب للتدليل على وجهة نظره مثالا عن أحد المغرّدين السعوديين المشاهير الذي قال عنه إنه لا يكاد يمر يوم إلا وهذا المغرّد يذكر سلبيات مجتمعه ويتهكم على مواقف وطنه ورموزه بالهمز واللمز في حين أنه (أي هذا المغرد) لا يكف أيضاً عن الإشادة والمدح لدول وأنظمة يراها الشاب ممن يدعم خصومنا. وحتى أسمع من هذا الشاب فلعلي ولعله يسمع معي رأيكم في فكرة نشر قوائم العار السعوديّة هذه؟
نقلا عن الرياض
