ليس سراً أن عدداً كبيراً وهائلاً من الصحفيين السعوديين ورؤساء تحرير الصحف السعودية هم خريجو الأقسام والملاحق الرياضية في الصحف المحلية , وهذا بحد ذاته ليس عيباً على الإطلاق , بل لربما كان أمرا يبعث على الاعتزاز والافتخار , فالرياضة هي نشاط إنساني خلاق وعظيم يهدف إلى تنمية القدرات والمهارات الإنسانية في حدودها القصوى عقلاً وجسداً , غير أن هذا المقال مخصص للتطرق إلى التأثيرات السلبية , وذلك بالنظر إلى تضخم هذه السلبيات مقابل انخفاض – إن لم نقل انطفاء – الآثار الإيجابية , فالرياضة مثلها كغيرها من المفاهيم والممارسات هي قابلة لسوء الفهم والتأويل السييء , ولعل هذا ما يقع لدينا كثيراً .
فالقارئ لعدد لا بأس به من المقالات الصحفية يجد فيها الحس « المتعصب « المتلازم غالباً مع ثنائيات المدرجات في الملاعب , والأعلام المنصوبة فوق كراسي الجماهير , وهتافات رابطة المشجعين مقابل صراخ المحتجين والمعترضين على قرارات التحكيم .. فمثلاً نجد أن الكثير من المواضيع والثيمات المتداولة صحفياً لها طابع الإثارة الكروية والهتافات المدرجاتية عوضا عن مقولة « الدهشة « بحسب تعبير أرسطو : فالإثارة قد تكون سريعة وانفعالية وتخبأ بمرور الوقت القصير , أما الدهشة فهي لا تقل عن الإثارة في مدى ملامستها للوجدان والعاطفة والفكر , ولكن الدهشة هي استحثاث لملكات الإنسان الفكرية أن تظهر من مخبئها , أما الإثارة فهي تنطفئ حالما انطفأت جذوة الانفعال .
وقد يعترض أحدهم ويقول أن الصحافة هي ذات طابع يومي وانفعالي مباشر , أكثر من كونها بحوثا أكاديمية أو معرفية تشترط الرصانة المملة والوقار المصطنع والمنهجية المحكمة ؟ وهذا الاعتراض صحيحا لكنه كالقول الحق المقصود به باطلا , فالصحافة هي حقا تعالج الشؤون اليومية ومداولات الساعة لكنها تستطيع بالمقابل ترسيخ المنهجية بالطرق المرنة والسلسة وبالأساليب المحببة إلى نفوس الناس بدل الأساليب الثقيلة والشاقة على الأنفس والأفهام , فثمة خيط رفيع بين التبسيط والتفهيم , وبين التجهيل والإثارة المشوشة .
هذا ما يجعل من « المعلومة « هي حجر القاعدة الصحفية , هذا الحجر الذي ما أن يزول حتى يسقط صرح الصحافة بأسرها , ولا يمكن قبول وجود صحافة مدلسة كما لا يمكن قبول وجود دائرة مربعة أو مثلث مستطيل . والناظر لحال الكثير من الصحف العربية بل والعالمية يجدها تقترب من التضليل أكثر من اقترابها إلى التصحيح , وهي تضطلع بمهمة إثارية و تجهيلية أكثر من اضطلاعها بمهمة التنوير والتأصيل العلمي , وهذا الاتهام لا أسوقه جزافاً ولكن التمرحل التاريخي لوجود الصحافة الورقية منذ عصري النهضة ( مونتين ) والتنوير ( فولتير ) وصولاً إلى صحافة القرن التاسع عشر في ألمانيا وما لعبته من أدوار محورية وثورية هائلة كانت هي المنبع الأساسي للثورات الاجتماعية والسياسية في غرب أوروبا , فلم يكن غريباً أن كانط وهيجل وماركس ونيتشه هم كتاب صحفيون بجانب كونهم مفكرين مثابرين لحد التطرف .
هذا يدل على أن الطرح الصحفي متألق في مستوياته العليا والدنيا وهو موضع استقطاب الأقلام الجادة والمعالجات الناجعة للكثير من قضايا السياسة والمجتمع , ولكن الذهنية الرياضية « المدرجاتية « أفسدت هذا الاتجاه التنويري الهام وجعلت من الواقع الصحفي غير بعيد عن واقع المدرجات وما يحدث بها من تراشق في الألفاظ واحتشاد في كراسي الجماهير وافتراق على المشاكل الصغرى وإهمال للمشاكل الكبرى والجوهرية , وهذا النقد للصحافة لا يتم توجيهه إلا من باب إعادة الاعتبار للصحافة الحرة بوجهها الحقيقي والثوري والبعيد تماما عن السفسطة المربكة التي تمر بها صحافة هذه الأيام والمتقلبة بتقلب ميول ذوي الشأن فيها .
ومثلما أن المعلومة والتعاطي معها نقلاً وتحليلاً هي الحجر الأساسي في البناء الصحفي فإنه بالمقابل يمكن اعتماد عناصر أخرى تتوازى وتترادف مع وجود هذا الحجر , فتتراص هذه المواد مع بعضها البعض وتتعاضد لتشكل مبنى ومعنى العمل الصحفي , فهناك حجر الموضوعية الصلب الذي لا يمكن التخلي عنه حتى في أصعب الظروف , ولبنة الحقيقة العلمية وهي تتجلى أمام نواظر الناس في قرنهم الحادي والعشرين الذي قطع شوطاً طويلاً في حلبة السباقات العلمية , وعمود الإنسان الذي يرفع بيوت الدول والمنظمات والأجهزة البيروقراطية وهي كلها مسميات ومنشآت لا قيمة لها دون الإنسان , وسقف الحرية الذي ما أن ينخفض حتى يقع على رؤوس القاطنين لهذه الدار الصحفية أو تلك . وإذا ما أغفلنا عن هذه العناصر مجتمعة فإن الصحافة لن تبارح موقعها الذي تريد الخروج منه : الخروج من عقلية المدرجات المتعصبة !
نقلا ع المدينة السعودية
- شركات صينية تنفذ مشروع ربط أبها مع جيزان بتكلفة 19 مليار ريال
- السعودية تعتمد آلية مشاركة أنديتها في بطولات آسيا بدءا من موسم 2026-2027
- أمير المدينة يستعرض إنجازات جامعة طيبة مع مديرتها
- العالم يتحد في يوم الأرض 2026
- مهندسون صينيون يخططون لدراسة إنشاء دفيئة على سطح القمر
- أمير المدينة يدشّن متحف «خير الخلق -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-»
- . تركيا والسعودية والإمارات في الصدارة في استيراد الاجهزة الطبية الصينية
- ثقافي / إشادة أممية بمبادرة “اللاتينيون العرب” وتوجّه لاعتمادها نشاطًا دائمًا في اليونسكو
- السعودية: بدء أعمال صيانة للكعبة بأحدث التقنيات والمعايير
التأثير السلبي للميول الرياضية على مهنة الصحافة
Permanent link to this article: https://www.alwakad.net/articles/58092.html
