ليس القلب النواة أو المركز أو وسط المدينة , بل القلب الرؤوم الفضفاض بالنجاحات الاجتماعية والعمرانية والخدمية والإنسانية , إن قسريات العولمة التي انتجت قشريات التمدن , صبغت جدة المدينة , جدة التاريخ ,وجدة رائحة البحر المشوي على الشمس ,وجدة يفاعة الماضي وعبق الازدهار الذي كان القادم يحسه يلمسه يتنفسه ويشمه من مسافة شهر, كل هذه العولمة صبغت جدتنا بثوالب الانتفاش الاسمنتي الذي يحجب البر والبحر والسماء عن فضاء جدة , ولاعزاء للجداويين , لندع جانبا خطابات التعمية ومهدّئات ثقافة الاستهلاك. لنخرج قليلا من دعائية إيحاءات فنادق السبع نجوم والملاعب الخضراء والمنتجعات السياحية والبحرية، فجدة تفقد غناها كلّ يوم وتُستنزف مع كلّ الصباحات و المساءات والعشاءات، مادتها الحضارية الإنسانية , يتفكّه البعض، عن حظّ هذه المدينة، بحيث لم يكن بالوفرة المأمولة. فلو تولى كل قطاع فيها مسؤول قويّ مكين لتغيّرت جغرافيتها ونبت لها بحر آخر لاتباع شطآنه ورماله , كي يخفّف عن ساكنيها وطأة حرّ الصيف ويجعل منها فضاء جديرا بالزيارة والاقامة والسكن على الدوام، ثمّ تحتفظ جدة لنفسها بذات الوهج حتى مع بركان القيظ. في حين يرفض آخرون هذه الرواية، ويقولون بأنّ جدة جميلة هكذا بدون طراوة البحر. أيضا، البحر يحتاجه فقط المتسكعون , لكنّ جدة لم تعد أمّنا، فقدت عقلها وأضحت قطّة شرسة، تلتهم أبناءها بتلذّذ واشتهاء. جسد ينتفخ فراغا وتشوّها، فاصطبغت ملامحها بقسوة جلد الذات، ولم لا، السادية. أهي راضية عن نفسها؟ أخيرا، اقتطعت قدرها من أقداراسود النيوعولمة ومجريات استثمارات النهم واللهاث والتراكض الوحشي.
هكذا، التزمت جدة وسمحت لنفسها مع كلّ صبيحة بقبح وبؤس بشريّين. لم تعد رؤوفة رحيمة مدرارة. الفقر، يفتك فتكا بهؤلاء المحاصرين داخل خدمات ماتحت الصفر , اما زينتها وبهجتها واُلفتها وجمالها وهدوؤها فإلى إشعار آخر , ومع وجود تلك الفوارق الطبقية الشاسعة، حيث خزائن الغنى الفاحش، تعايشها دور الصفيح وجحور المتسكّعين والمشرّدين بسبب نظام اجتماعيّ قاس جدّا ينتصر لملاك الثروة، ويحوّل الفقير إلى منبوذ. هي الوقائع عينها، تشعّ بها جدة على كلّ العالم، قد لايهتم كل الناس بوظيفة جدة العمرانية الخلابة الجمالية أو جدة السيارات الرياضية الفارهة، والتباهي بأكبر النوافير العملاقة، ثمّ آخر صيحات المراكز التجارية والعمارات الشاهقة التي تعانق السماء مبتهجة بتبييض واجهاتها وأموالها، هي مساحيق زائلة لا تصنع إنسانا ولا تهذّب روح ساكن ومقيم ، بل زيادة على ذلك وهو الأخطر، فإنّها تخفي وتضلّل حقيقة تاريخ الاخطاء التنموية، التي تُنسى بوجع صامت، جدة التي يفتك بأهلها القدماء الأصلاء عوزٌ قاتلٌ، وتعثر في برامج المؤسّسات التي بوسعها حقّا خدمة الصالح العامّ وتوفير أسباب الرخاء الاقتصادي والمجتمعي، ثم إمحاء لأساسات الغنى الثقافي لأهلها، خاصة شبابها الذي أرهقته العطالة والحاجة، دون رحمة. وانطلاقا، من العلاقة المفصلية بين نموّ الواقع المادي، ثم التطور النوعي لأشكال الوعي بالعالم، فإنّ منظومات الزيف والاستلاب تخلق بالضرورة، ذوات تائهة بل مهشّمة، غير قادرة على تبيّن نقط الضوء الجديرة باستكشاف ماهياتها الوجودية. معادلة أفقدت جدة قلبها وروحها في الآن ذاته، فماذا أنت فاعلة بنفسك غدا؟! اناس قد يتنكّرون لأمّهاتهم في سبيل المال، آخرون ألقوا بجدة إلى شبكات لانهائية من المصالح ، تعيق لا نهائيا تشكلات المجتمع المدني. فمتى تطمئن جدة إلى أجهزة تدبيرية، ينهض بأعبائها أناس أكفاء، يحكمهم وازع الوطنية الصادقة، يجعلون حقّا جدة مدينة عالمية، بمنطق صيرورة التاريخ الأممي والحضاري، حينئذ سنتباهى بها على منوال باريس، طوكيو، كوالا لمبور دبي هونغ كونغ شنغاهي ومدريد، وليس مجرّد حديقة خلفية تنتمي للإرث البحري الاصيل , لقد اصبحت جدة حاضرة بلاقلب تنتمي للبحر الحزين المنهك الساحل والمنتهك الحقوق , والشوارع التي يلتهمها يومياً وحش الازدحام المروري , فتئن الطرقات والاحياء بالصرخة تلو الصرخة ( انا جدة ساكنة التاريخ المذهل , مدينة القلوب العامرة بالحس الإيماني المدني الوطني ) فهل من منقذ .؟
نقلا عن المدينة
- شركات صينية تنفذ مشروع ربط أبها مع جيزان بتكلفة 19 مليار ريال
- السعودية تعتمد آلية مشاركة أنديتها في بطولات آسيا بدءا من موسم 2026-2027
- أمير المدينة يستعرض إنجازات جامعة طيبة مع مديرتها
- العالم يتحد في يوم الأرض 2026
- مهندسون صينيون يخططون لدراسة إنشاء دفيئة على سطح القمر
- أمير المدينة يدشّن متحف «خير الخلق -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-»
- . تركيا والسعودية والإمارات في الصدارة في استيراد الاجهزة الطبية الصينية
- ثقافي / إشادة أممية بمبادرة “اللاتينيون العرب” وتوجّه لاعتمادها نشاطًا دائمًا في اليونسكو
- السعودية: بدء أعمال صيانة للكعبة بأحدث التقنيات والمعايير
جدة مدينة بلا قلب
Permanent link to this article: https://www.alwakad.net/articles/62492.html
