يُشبّه البعض الاحتجاجات الحالية ضد السفارات والمؤسسات الديبلوماسية الأميركية بالمنعطف القوي للولايات المتحدة تجاه "الربيع العربي" و"الثورات" العربية. الخطاب الأوّل لهيلاري كلينتون بعد مقل السفير الأميركي كان حزيناً، تتساءل عن سبب قيام أفراد من مجتمع ساهمت الولايات المتحدة في إخراجه من سطوة طغيان القذافي وبطشه وسيوفه ومرتزقته. تتساءل كلينتون: أهذا هو الشكر؟ أهذا هو المقابل؟ أهذا هو الاتحاد في وجه الشر؟! أخذت أميركا موقفاً متسامحاً ومتصالحاً مع الإخوان المسلمين منذ بدء الثورات العربية أو ما سمي ب"الربيع العربي" ولهذا لم تجد غضاضة في وصولهم إلى الحكم. قال بعض المحللين انها أرادت مواجهة عنف القاعدة بالإخوان المسلمين!
الذي حدث في ليبيا ربما يغير الرؤية أو يعدل الاستراتيجية وسيكون لهذا التغيير آثاره المستقبلية على البلدان العربية بشكل عام.
أوباما لم يترك القاعدة في حالها؛ فمن انجازاته القضاء على أسامة بن لادن والعولقي وأبو يحيى وصولا إلى الشهري، وكل هؤلاء قادة فاعلون ولهم دور كبير في عمليات القاعدة الضخمة ضد الولايات المتحدة.
يكفي أن أسامة بن لادن هو مهندس أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو الذي تبنّى الحدث وأنشد بالقائمين به شعرا. ما جعل أميركا تأخذ على عاتقها جراء ذلك مهمة إنهاء تنظيم القاعدة. حين اقتربت أميركا من الإخوان المسلمين لم تكن تعلم بشكل مفصّل طبيعة الاتصال بين الإخوان والقاعدة، وأن عناصر كثيرة من الأولى كانت تتوقف في إدانة القاعدة، وأبنت ابن لادن عند رحيله.
إنها مشكلة الغربيين ساسة ومراكز أبحاث الغربية وصحافيين أنهم يستعجلون أحيانا في فرز الأصوليين، فلا يقسّمون التيارات تبعا لأيديولجياتها ولا يدرسون بشكل كلي الصورة العامة للتحالفات الصامتة أو التقاطعات بين هذا التيار أو ذاك، وهذا ما يسبب لهم الوقوع في الأفخاخ الكبيرة والقاتلة في السياسات الخارجية أو الاستراتيجيات الأمنية، ويكفي أن نأخذ موقف الولايات المتحدة من الثورات العربية أنموذجا على ذلك التقهقر في التحليل والاستعجال في الفرز وعدم الدقة في التصنيف.
هناك تحليلات تشير فعلاً إلى أن الدرس الذي تعلمته أميركا في 11 سبتمبر 2012 لا يقل عن الدرس الذي تعلمته في 11 سبتمبر 2001. فالقاعدة تلدغ أميركا مرات ومرات من جحر واحد. أحسب أن التفاؤل الأميركي بأسطورة "الإخوان" بوصفهم الحل الممكن كان مكسباً كبيراً لتنيظم القاعدة. والأيام التي مضت والتي ستأتي أثبتت هذا التحليل. ما يؤكد أن واشنطن تعوّدت أن تنصح الآخرين دون أن تستمع إلى نصح أحد، ربما امتثالاً لعجرفة القوة!
عن الرياض
