ستعصف بنا مادة إعلامية مكثفة في اليوم الوطني سيكون جلها يحمل طابعا وظائفيا يرتبط بهذا اليوم بصورة أرشيفية بحيث يستدني من الأدراج القديمة والملفات المنسية على الأرفف، ويعلق على الواجهات، وهو في هذه الحالة بالتأكيد لن يعكس الوطن كعشق وكحالة بل سيلفه بقراطيس تجارية للتسويق، وعلى الغالب تكون مادة إعلامية ترصف على جدران وعينا فتقصينا عن الوطن كصيرورة متبدلة دائمة لاتنقطع من تجليات العشق .
لكن هذه الواجهة لايجب أن تجعلنا أن نستأنس ببريقها وعلو صوتها لأننا لن نستطع أيضا أن نتناسى قطاعا ولن أقول محدودا لكي لا أقول شاسعا! لكن الذي أجزم به أقول أنه مابرح لم يعترف بعد بحدود الوطن القطري، ومابرحت الحدود تتسع لديه لعلها في الأحلام أو لربما في الأوهام لتصل إلى حدود الخلافة الإسلامية، ومازالت إجازة اليوم الوطني والاحتفال به والتوقف عند مقام الوطن وتحيته والانحناء له يؤرق وعي ومألوف هذا القطاع ويجدون فيه ابتداعا وخروجا عن الأفق المحدود الذي يتقولبون داخله.
فهم طورا يتحججون بأنه ليس هناك من تأصيل شرعي للاحتفال باليوم الوطني، ولعلنا هنا نرفع الاشكالية الشرعية لتحسم من علمائنا الأجلاء المستنيرين كي تبدو نقية كالمحجة البيضاء بأن للوطن يوم نجله ونبجله ونحتفل به تماما بشكل مواز لتقديرنا لأمننا واستقرارنا ولحمتنا الوطنية .
أيضا هذا القطاع طورا آخر يتحجج بأن هذا اليوم أصبح مثارا للصخب والشغب والفوضى وسوء إدارة الحشود، ويتناسون أن الضوضاء ومايصحبها من انفلات هي ظاهرة سلبية تصاحب ليس اليوم الوطني فقط بل كل المناسبات الوطنية التي تمر بنا كعودة قائدنا معافىً أو فوز فريقنا لكرة القدم)مع ان هذا الفوز أصبح رابعا مع الغول والعنقاء والخل الوفي) ولكن في كل المناسبات ذات الطابع الجماهيري نجد أن شبابنا يعبر عنه بطريقة صاخبة مندفعة متطرفة فهل نلوم اليوم الوطني ؟ أم نلوم غياب احترام المكان العام عن قيمنا الاجتماعية، عجز الخطاب الديني وقصرت المؤسسات التعليمية عن خلق وعي حضاري وغرس آداب وسلوكيات بل قدسية الأماكن العامة التي نتشاركها في المدينة مع الآخرين .
فلطفاً أيها المتذمرون من احتفالات اليوم الوطني الصاخبة لاتلقوا باللوم على يوم الوطن بل هو ركام من سلوكيات خاطئة شاركتم أنتم في صناعتها بشكل أو آخر .
وفي النهاية ونحن نقف بين يدي الوطن نحمل فسائل أمانينا وهتاف أحلام لاتندمل في أعماقنا، نعي بل نوقن أن وطننا بحاجة أن نحصنه بمناعة التسامح والتعايش والقبول من عمق جرة عسل في ( نجران )إلى امتداد تقافز ظبي في وديان مدينة (طريف) ومن هوى لايفيق على شاطئ جدة إلى اصطفاف اللؤلؤ على شاطئ نصف قمر في الشرق .
نرفعه شامخاً نائياً عن احتراب التيارات واشتجار الطوائف، بل ليظل هو هناك مظلة وقيمة عليا للجميع فيها حيز متساوٍ .
وطني بحاجة أن نحميه من تخرصات الدهر وتقلبات الزمن وندعم أركانه بالأسس المتينة للدولة الحديثة، دولة السلطات المنفصلة التي ترقب وتحاسب كل منها الأخرى، دولة المشاركة الشعبية الممثلة في مجلس شورى منتخب، دولة لاتخضع للمزايدات والمساومات لأنها تسمو وتشمخ بالتفاف شعبها حول قيادته .
سيحضر اليوم الوطني ونحن جميعنا نزيد ايغالا في عشق هذا الوطن، وتزداد امنياتنا له اتساعا، ونعي أن الوطن ووحدته وأمنه واستقرار مواطنيه هو قيمة كبرى لاتخضع للمزايدات.
نقلا عن الرياض
