حين يتداولون الحديث عن سعودة الوظائف في الجامعات لا يمكنني أن أتصور إلا أن المتحدثين إنما يقصدون الوظائف الإدارية، ذلك أن الاستعانة بأساتذة جامعيين من خارج المملكة لا يستدعيه العجز عن توفير هؤلاء الأساتذة من بين حملة المؤهلات العليا من السعوديين، وإنما تدعو إليه الحاجة إلى أن يكون الوسط العلمي في الجامعات مجالا رحبا لتلاقح الأفكار والمناهج، وهي العملية التي لا يمكن لها أن تتحقق عند انغلاق الجامعات على جنسية واحدة مهما كانت مبررات ذلك الانغلاق، فالمناهج ليست نتيجة ما يحققه التحصيل العلمي فحسب، بل ما تولده كل أمة لدى المفكرين فيها من نظرة كلية للحياة والعالم من حولها.
الجامعات، فيما أعتقد، ليست مجالات لامتصاص القوى الوطنية العاملة وتوفير الوظائف، بقدر ما هي حقول تهدف لاستقطاب الكفاءات العلمية والعقول المتميزة بصرف النظر عن الجنسية التي تنتمي لها تلك الكفاءات وتلك العقول، ولا تتفاضل الجامعات بعدد أعضائها ممن يحملون الجنسية الوطنية، وإنما تتفاضل بالعلماء الذين يتولون التدريس في قاعاتها والمفكرين الذين يتناقشون في جنباتها.
ويدرك خريجو الجامعات من جيلي حجم الأثر الذي تركه أساتذة عرب كانوا يتولون التعليم في جامعاتنا، ولم يكن ذلك الأثر يتوقف عند طلابهم فحسب، بل امتد ليشكل إثراء للساحة الثقافية، وحسبنا أن نتذكر ــ على سبيل المثال ــ أساتذة من أمثال: محمد صالح الشنطي، علي البطل، شكري عياد، منذر العياشي، وأحمد كمال زكي، وهم الأساتذة الذين كانت مشاركاتهم عبر الصحف والأندية الأدبية تأكيدا على الدور الريادي للجامعات في دعم الثقافة، ونعرف جميعا أن رحيل هؤلاء الأساتذة قد أدى إلى إضغاف هذا الدور.
باختصار، علينا حين نتحدث عن السعودة أن نتذكر أن الجامعات ليست مصانع ولا محلات بيع ملابس نسائية، الجامعات معترك للعقول العابرة للحدود، أو هكذا أعتقد أن عليها أن تكون.
نقلا عن عكاظ
