الحملة على الشهادات الوهمية والمزورة ليست جديدة، وقد شاركت فيها قبل أن تصبح حملة منظمة وذات بعد اجتماعي، وقد عرفت خطورة هذه الشهادات أثناء عملي، فالمزورون ليسوا من السعودية فقط، بل هم منتشرون في كثير من بقاع الأرض، وقد تعاقدت بعض جامعاتنا مع بعضهم ليدرسوا مقررات لا علاقة لهم بها، وإنما شهاداتهم المزورة هي التي مكنتهم من تدريسها، فإذا تم اكتشافهم أبعدوا وعفى الله عما سلف!!الشهادات المزورة كلها خطرة، ولكن هذه الخطورة تتفاوت ما بين نوع منها وآخر، فتزوير شهادات الطب والتمريض أشد خطرا من تزوير شهادات الأدب ــ مثلا.. وهكذا، ومعلوم أن بلادنا اكتشفت حالات من تزوير شهادات الطب والتمريض واتخذت الواجب حيالها، ولكن بعد أن ترك هؤلاء إرثا حزينا في عدد من البيوت في بلادنا.لست أشك في أن مجتمعنا صدم كثيرا وهو يرى أن بعض الأسماء اللامعة انخرطت في عمليات الحصول على شهادات وهمية؛ مثل بعض الدعاة والإعلاميين ورجال الإعلام وغيرهم، وكان البعض يتساءل: كيف يمكننا الوثوق بهؤلاء وقد ارتكبوا جريمة الكذب والتدليس على مجتمعهم؟!، خصوصا أن المجتمع لم يثق بكل تبريراتهم الواهية التي دافع بعضهم بها عن سوء ما فعلوه!!ما قامت به وزارة التعليم العالي في محاربة هذه الظاهرة أمر تشكر عليه، لكنها بحاجة إلى مزيد من العمل المنظم والمستمر للقضاء على هذه الظاهرة، سواء أكان الذي ارتكبها سعوديون أم غيرهم، ولا سيما وقد أعلن قبل بضعة أيام عن إغلاق ثلاثمائة وثلاثين مكتبا وهميا لبيع الشهادات الجامعية والعليا في المملكة!! شخصيا، صعقت عندما قرأت هذا الرقم المهول، فهو رقم يصعب تصديقه، وبدون شك فهو أيضا يثير أسئلة كثيرة في غاية الأهمية ولكن من سيجيب عليها؟!كيف تم فتح هذه المكاتب وهي بالمئات، ومن سمح بها، ولماذا ؟ ولأنني أجهل الإجابة على أسئلتي، فانني سأفترض أنها فتحت بدون ترخيص من أحد، لكنها كانت تعمل علنا، فلماذا تم السكوت عليها طيلة هذه المدة؟ هذه المكاتب كانت تعلن عن نفسها لكي تستقطب الزبائن، فلماذا سكتت وزارة التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم؟ وأيضا أين الجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة بالسماح بفتح المحلات التجارية، ولماذا سكتت هي الأخرى؟؟ كان ينبغي المسارعة بالتدخل لإنقاذ المجتمع من شرورهم وأيضا إنقاذ المخدوعين بهم، كان هذا هو الأولى قبل استفحال هذه الظاهرة السيئة، ولكن لم يحدث شيء من هذا، ما سهل على تلك المكاتب الاستمرار بخداعها وتسويق الوهم على السذج والباحثين عن شهرة لا قيمة لها.الذي أود تأكيده أن وجود ثلاثمائة وثلاثين مكتبا وهميا لبيع الشهادات في بلادنا يؤكد على وجود تدن أخلاقي كبير عند البعض، فلولا وجود زبائن قادرين على الدفع لما تمكنت كل تلك المكاتب من الاستمرار ،بل إنها كانت تقدم عروضا مغرية لعملائها الكرام!! وقد قرأت مرة أن من يريد شهادة جامعية فلها سعر معين، ولكن هذا السعر ينخفض فيما لو أراد الزبون أن يجمع بينها وبين الماجستير في صفقة واحدة!!الذي أود التأكيد عليه أن هناك فرقا بين الشهادات الوهمية وبين الشهادات التي لا تعترف بها وزارة التعليم العالي، وهي من جامعات حقيقية معترف بها في بلادها، بل إن الجامعات السعودية تتعاقد مع خريجيها، بينما لا تعترف بشهادتها إذا كان حاملها سعوديا، وهذا ظلم وتناقض ما كان يجب أن يقع مطلقا!! وللتوضيح، فالوزارة لا تعترف بمعظم الجامعات المصرية الحكومية، ولكنها تتعاقد مع من يتخرج منها ما لم يكن سعوديا!! والمنطق يقول: إذا كانت معايير الوزارة لا تنطبق على هذه الجامعات، فيجب أن ترفض جميع خريجيها بغض النظر عن جنسياتهم وإذا كان هناك استثناءات، فالسعودي أولى من غيره.ولعلي أقترح على وزارة التعليم العالي خاصة وغيرها من الجهات التي تستعين بموظفين من الخارج، خصوصا وزارة الصحة، أن تتأكد من صحة الشهادات المقدمة لها من الجامعات التي تخرج منها مقدم الشهادة، وقد أثبت الواقع أن بعض الجامعات نفت صحة المؤهلات التي سئلت عنها، وهذا الإجراء غير مكلف، ولكنه قد ينقذ طلابنا من الجهل ومرضانا من الموت.أما أولئك الذين ورطوا أنفسهم في الكذب والتزوير، فليس عيبا أن يتبرأوا من تلك الشهادات التي أصبحت عبئا عليهم، وهم أعرف من غيرهم بكيفية الخروج من هذا المأزق
نقلا عن عكاظ
