في مناسبة مهرجان الجنادرية وجلسات البرنامج الثقافي كان طرح التحديات الإعلامية موضوعاً حيوياً لاسيما في وجود معالي وزير الإعلام. وهناك عدد من الإشكالات التي تواجه العمل الإعلامي بشكل عام، وعندما يتعلق بالمرأة بشكل خاص. فكما هو معروف فإن التحدي الرئيس الذي يقضي على أي مشروع فكري أو إعلامي نزيه وجاد هو الرقابة على حرية التعبير ويتبعها التفكير، فالحرية هي الرئة التي يتنفس من خلالها الفكر والتي عبرها يمكن للإعلام بفنونه أن يعبّر وينتج. وعلى الرغم من أن الإعلام شهد قفزات نوعية في سقف حريته إلا أننا ما زلنا نقبع وراء عدد من الحواجز التي تقف عائقاً أمام نشر مقال على سبيل المثال وهو المثال الذي أرى أنه ما زال لم يتخلص من مقص الرقيب العتيد، وعلى الرغم من أن معالي الوزير في أكثر من تصريح يقول بأنه ليس هناك توجيهات لتقييد الصحافة، إلا أن الصحف لديها تصورات أخرى يمكن أن أقول إنها بشكل عام لا تصب في صالح تعزيز الحريات وإنما في تقييدها بكثير من المبررات غير المقنعة.
وقد أدت في بعض الأحيان بإيقاف كاتبات وكتاب عن الكتابة دون أي مبرر منطقي إلا أن يتفضلوا بأخذ إجازة إجبارية مفتوحة، كما حدث للدكتورة أميرة كشغري وأمل زاهد وغيرهما.
ومن المهم إدراك أهمية فضاء الكتابة، فهو أوسع الفضاءات المتاحة للمرأة على الرغم من القيود المذكورة أعلاه. ولعل جزءاً من السبب يكمن في طبيعة الكتابة التي يمكن القيام بها بشكل فردي فلا تحتاج المرأة الكاتبة إلى مواصلات لا تملكها أو لاتوفرها الدولة، ولا تحتاج لموافقة زوج أو رجل للخروج إليها، ولا تحتاج إلى زمان معين يعيق التزاماتها الأسرية والتربوية التي لا يشاركها الرجل فيها، ولا مؤسسات الدولة. كما أن الكتابة أصبح من السهولة بمكان أن تعبر الجدران والفضاءات والحدود وسمحت باللجوء إلى بدائل النشر الورقي المحلي؛ حيث أصبحت بديلاً مُعتِقاً من كل أشكال الرقابة تأتي في صور مختلفة من وسائط إلكترونية اجتماعية أو تدوينية أو غيرها.
ودور النشر العربية خارج الوطن قدمت فرصاً جديدة حيث أصبحت متلقفة لكل إنتاج فكري سعودي، نسائي قبل الرجالي، مما فُتح الباب على مصراعيه لتعبر المرأة السعودية عن نفسها وتعبر إلى خارج الحدود.
لكن صورة المرأة في إعلامنا وفي خطابنا مع تحسنها كثيراً، ما زالت بحاجة للكثير من التطوير حتى تكون معبرة بالفعل عن المرأة وليست مرسخة لصورة نمطية لا تختلف كثيراً في الإعلام الداخلي عن الغربي والعربي مع العلم بأن هناك ظهورا أكبر على المستوى الكمي، ولكننا نتحدث عن صورة نمطية تتكرر فيها صورة المرأة المستهلكة المترفة محدودة الاهتمامات ربما.
وهذا يقودنا إلى البحث عن المرأة في المراكز الإعلامية القيادية وعند ذاك نجدها غائبة كلية عن القدرة على الفعل الثقافي والإعلامي الذي يطور المرأة ويضعها على خارطة الفكر لا الشكل. فعندما نلقي نظرة على وسائل الإعلام الحديثة ونتناولها مؤسسة مؤسسة، ووسيلة وسيلة سوف نجد أن قياداتها في النادر ما توكل إلى امرأة، وهذا الأمر ليس خاصاً بالسعودية ولكنه ينطبق على جميع وسائل الإعلام العربية إلا ما ندر. وأبسط مثال على ذلك المجلات النسائية والموجهة إلى النساء، فبنظرة بسيطة إلى طاقم تحريرها لن نجد أن أي امرأة تقود رئاسة التحرير والقرار فيها، ولننظر في المجلات واسعة الانتشار التي تصدر من مؤسسات سعودية كمجلة سيدتي، ولها، ورؤى، وغيرها. هذا مع التنبه إلى أن الهدف ليس بأن تُحاصر المرأة في أدوار رئاسية محدودة من خلال مجلة نسائية فحسب، فالقلم النسائي مهموم بكل قضايا المجتمع والسياسة والتربية والاقتصاد والثقافة.
ونفس الحالة نراها في قنواتنا الإعلامية المحلية والسعودية التي تبث من الخارج والقنوات الإعلامية العربية كذلك، ولنأخذ قناتي الجزيرة والعربية على سبيل المثال التي لا نجد المرأة في أي دور قيادي فيها سوى أنها واجهة القناة الشكلية فضلاً عن استبعادها غالباً من المواضيع والاستضافات التي تجري وتحرك الخطاب السياسي حتى مع التغيرات التي تطرأ على الساحة العربية بوصول الشعوب إلى مراكز اتخاذ القرار، فكما رأينا في مقال سابق أن المرأة تختفي بعد نجاح الثورات بل وتنقلب عليها بعد ذلك كما نرى في تونس ومصر حالياً، وهذا ربما موضوع آخر.
إن تحقيق التغيير الحقيقي في العمل الإعلامي، وتغيير صورة المرأة النمطية لا يتأتيان من خلال تمكين وصول امرأة أو اثنتين لتجميل الصورة وإنما من خلال تمكين مشاركتها في صياغة وتشكيل الوعي الثقافي والإعلامي بتولي مناصب قيادية رئيسة في الصحف والمجلات والمؤسسات الإعلامية والإنتاجية والقنوات التلفزيونية والفضائية الرسمية وغير الرسمية..
نقلا عن الرياض
