من الصعب الخروج بنتائج دقيقة على تحولات هي أشبه بالزلزال الذي أصاب المنطقة العربية، مازال الوقت مبكرا للحكم على نتائج تغييرات كبيرة في بلدان عربية مازالت تصارع في طريق التغيير، وأخرى مازالت تتطور الاحداث فيها.
ثمة مخاوف وثمة مبشرات، ثمة ترقب لأحداث لا تترك فرصة لالتقاط الانفاس في تطوراتها السريعة. ومنذ هبت رياح التغيير على هذه المنطقة، تبدت الخطورة في التحول الشاق والصعب والمحفوف بالمخاطر.
ثمة مشتركات كبيرة بين الدول التي طاولتها رياح التغيير وعواصفه، وثمة مشتركات بين دول عربية تحاول ان تحصن نفسها من تلك التطورات. إلا ان الثابت في كلتا الحالتين أن ثمة عاماً حاسماً سيرسم مستقبلا عربيا مختلفا.
الصعوبات والتعقيدات والطريق المحفوف بالمخاطر تكمُن في استعادة حياة سياسية جديدة تكتسب اهميتها من خلال قدرتها على تحقيق أهداف التغيير. وهذا لن يحدث بين عشية وضحاها، ولذا فإن القلق يتبدى في شارع يريد قطف ثمار التغيير الكبير، او معالجة لم تتم لأزمات مازال يرزح تحت وطأتها. كما أن الشارع العربي مفتوح على حالة صراع بين قوى سياسية واجتماعية تتعامل مع التحولات وفق حمولة ذهنية تأسست خلال عقود بعيدة.
وفي هذا المشهد العربي ثمة رابحون وخاسرون، وثمة انتهازيون ومؤمنون، وثمة تفاوت بين كيانات تحرسها مؤسسات لا تقوى على كلفة الدماء على مذبح النظام، وثمة كيانات لا يعنيها حجم فاتورة المواجهة حتى لو طال أمدها.
مازال التغيير السلمي، هو الاستثناء الا ان مسار التغيير في بلدان عربية اخرى تبدو كلفته باهظة، وربما حملت مخاطر من نوع آخر ترتب عليها مزيد من الانهاك، ومزيد من الانقسام.. وهذا يعود بطبيعة الحال لمعالجة تلك النظم لأزماتها مع الشارع، الذي قدم درسا في كل هذا المشهد العربي، أنه يتأجج ويتعاظم توتره ويمتد حضوره بمزيد من المواجهة الدموية.
لم يعد خفاء أن الشارع العربي الذي تحرك يشكل قوامه الكبير جيل شاب، نشأ وعاش في ظل نظم لا يعرف غيرها. لم يكن مسيّسا ولا منظما، إلا ان هذا لا يعني بحال استمرار هؤلاء في واجهة الاحداث، فالشخصيات السياسية تعود لاستثمار هذا المعطى، وهي التي تتصدر الاعلان عن شكل ونوع المطالب التي تستجيب لوعي الشارع لكنها في مضمونها تتماهى مع تطلعاته.
التحدي أن يكون هذا الشارع مدركا لطبيعة التغيير وكلفته ايضا. ثمة قلق أيضا من تأثير الشارع حتى على تلك القوى المسيسة، ولذلك يظهر انها تمالئه في مرحلة مرتبكة يشكل فيها الشارع قوة الضغط الوحيدة لتقرير نوع وحجم التنازلات او الاصلاحات أو حتى مستقبل النظام.
في كل الهبّات الشعبية كان ثمة عنوان لا تخطئه العين. النواة الاولى التي تحمل عبء كسر حاجز القلق، تنمو بسرعة مدهشة، مقابل قلق وتحفز كبير، وتورط مباشر من نظام لا يتردد في محاولة وأد تلك النواة بالقوة المفرطة، وإذا بها تزيد من حجمها وكلفة مواجهتها وامتداد تأثيرها.
لم تنجح القوى السياسية القديمة في بلورة تلك النواة، بل ان كثيراً منها تكلس ويكاد يضمحل تحت وطأة الفشل وعوامل التعرية. في البدء غابت النخب وحضر الشارع. ولم يكن في أي مشهد من مشاهد الحراك الاولى للشارع ملامح شعارات قومية او يسارية او دينية.. كلها تجاوزتها حناجر شارع اختصر قضاياه في كلمتين: الكرامة والحرية. كرامة العيش لاستنقاذه من حالة اليأس، ما يعني حضوراً كبيراً للمسألة الاقتصادية والمطالب الاجتماعية، وحرية الحركة والتعبير والتأثير باعتباره شرطا للتغيير المنشود.
ثمة سيناريو لا يمكن تكراره بالاستنساخ من بلد عربي لآخر، الشارع الشاب المنفعل يجب ان يترك فرصة للسياسة على ألا يؤثر في أهداف مشروع التغيير. (ارحل) لا تعني التغيير إنما تعني فتح الباب للتغيير. التغيير مسألة شاقة وصعبة وأبعادها يجب ان تكون أكبر من تغيير رأس النظام، والشارع الذي لا يستطيع ان يعيد تنظيم نفسه لتصحيح مسار التحول قد يكون حالة مقلقة اكثر منها مبشرة.
مما تستدعيه مشاهد الحراك في الشارع العربي، تلك العلاقة بين جماهير المتظاهرين ، وبين يوم الجمعة. هذا اليوم اصبح موعدا اسبوعيا حافلا بأحداث كبيرة ومواجهات قاسية وحشود ضخمة، فهل ثمة دلالات عميقة لتأثير المكون الثقافي في القدرة على الحشد الشعبي؟
يجب ألا يتبادر للأذهان ان يوم الجمعة جزء من توظيف ايديولوجيا اسلاموية اختارت هذا اليوم ليكون عنوانا اسبوعيا لتحريك الشارع بمطالب تطلقها حناجر المتظاهرين. هذا اليوم لم يكن يعبر عن تسيّس ديني ليوم تظاهر، ولكن باعتباره مناسبة اسبوعية واجبة الحضور لأداء صلاة جامعة، وهو يوم اجازة اسبوعية تحولت من حالة استرخاء إلى فرصة لتكوين الحشد الضروري، ولخلق نواة الخروج المطلبي الذي قد يتضاءل بعد ساعات، وقد يتراكم ويزيد تأثيره وتتعاظم جماهيره.
لقد انحسر صوت الجماعات السياسية المتطرفة التي عبرت عن ذاتها خلال السنوات الماضية، وتركت مأسي كثيرة في مشهد عربي وإسلامي مازال يحاول ان يحمي نفسه مع كوارث هذه المنظمات والافكار المعطلة، ولكن حضر يوم الجمعة تأسيساً على مكوّن ثقافي جمعي باعتباره موعدا جامعا وليس تحريضا فكريا مؤدلجا.
لقد تعددت جُمع العرب منذ مطلع هذا العام، فكل يوم جمعة هناك عنوان يأخذك لمرحلة اخرى، إما انها امتداد لمشروع التغيير، او حلقات في سلسلة التأثير من أجل التغيير.
ومما يُستدعى هنا ايضا، تلك النتائج المقلقة التي صاحبت التحول من الشعارات المطلبية الجامعة الى المواجهة العسكرية - كما في الحالة الليبية - ولا حصانة ان يتكرر في بلدان عربية اخرى... ما يقود الى حالة احتراب داخلي. هذا السيناريو خطير ومكلف ولن ينجو من آثاره وكوارثه لا أولئك الذين تظاهروا بعفوية في البداية لتحقيق مطالب ممكنة في إطار الدولة والنظام... ولا النظام الذي واجه حقوقا مطلبية يمكن التفاوض حولها، فاختار المواجهة والتصعيد. حالة التفتيت والتقسيم والاحتراب الطويل .. اسوأ ما يمكن تصوره في مسلسل تلك التطورات.
الخطورة الكبرى في تحويل مطالب مشروعة غير مُختلف عليها شعبيا، الى محاولة إشعال فتيل حروب داخلية... وهنا تتجه التطورات لمسار آخر.. حيث يأخذ مسار الاحداث عناوين المواجهة بين فريقين، وتصبح القضية، إيقاف حمام الدم في حروب لا تعرف الحسم لتعيد خلط الاوراق من جديد.. ولتدخل اطراف كثيرة في ميدان مواجهة يدفع ثمنها من كان يهتف للحرية لا لسواها.
نقلا عن الرياض
