بما أن المذاهب والطوائف قد تشكل بسبب العديد من السياقات السياسية والتاريخية، واختلط الديني بالسياسي فيها حتى صارت أقرب إلى تاريخ سياسي/ ديني أكثر منه دينيا خالصا، فإن الواقع يفرض ذهنية متجاوزة لإشكاليات المذاهب الفكرية والدينية، خصوصا تلك التي بينها عداء تاريخي مستحكم اختلط ببعض أصول المذهب أو فرعياته، وهي مشكلة في جميع المذاهب بلا استثناء يتضح أكثر من خلال صراع المعتقدات.
ما يهمنا ليس أصول المذهب وفرعياته، وإنما تلك الجوانب التاريخية التي تتقاطع فيها مع المذاهب الأخرى وتؤسس لمدى العلاقة مع الآخرين، سواء أكانت إيجابية أو سلبية. الشيء الذي يعني تأسيسا لفكر القطيعة مع الماضي. القطيعة بمعنى التجاوز، وليس بمعنى التخلي، أي أننا أمام إشكاليات طويلة لا بد أن نتجاوزها في صياغتنا لواقع الدولة الحديثة، والتعايش يمكن أن يكون فرصة لمثل ذلك بعيدا عن السياسية وتداخلاتها.
ولتوضيح المسألة أكثر في مفهوم القطيعة والتجاوز أقول: إن المذاهب لها جانبان: روحي وتاريخي، والتاريخي هو ما يخص علاقتنا بالناس، وهنا محك التجاوز الذي أقصده، والتعايش يدخل في هذا الباب، حيث تبقى روحانيات المذاهب، ونتجاوز عن إشكالياتها التاريخية والسياسية والاجتماعية. لا أحد يطالب أحدا بتجاوز معتقداته أو التخلي عنها، لكن هذه المعتقدات متى ما كانت تضر بعلاقتنا مع الآخرين، فنحن هنا أمام أمرين: إما البقاء على إشكاليات المذاهب. البقاء يعني مزيدا من تعميق هذه الإشكاليات (وأكرر هنا إشكاليات الرؤية للآخر)، أو التجاوز، والذي يعني الاعتماد أكثر على بناء مفهوم يتجاوز التاريخ في صياغة مفهوم المواطنة والتعايش وحرية الأقليات والأديان والمذهبيات التي يمكن أن تتحقق من خلال تأصيل مفاهيم الدولة الحديثة.. دولة الواقع وليست دولة التاريخ.
نقلا عن عكاظ
