يعود سوق عكاظ معاصرا، بمعنى أنه لا تاريخ ولا تراث، وهذا ما يؤكده كل شيء في السوق، بل ما ينتظره السوق، وهو أن يكون مكانا لحصيلة تفوّق العرب ومنجزهم في العلم والآداب والفنون والتجارة، فإن لم يكن كذلك في مفهومه الكبير فلا معنى لعودته كساحة للفرجة. وتأكيد هذا الشيء يستلزم الكثير من العمل ليكن مصب الناتج العلمي والفكري والأدبي لمؤسسات العلم والمعرفة بكل أنواعها ومستوياتها ليكن وقته هو الوقت الذي ينتظره السعوديون والعرب، لمعرفة كل جديد لديهم في العلم والمعرفة، ما ينقصنا هنا الجرأة وعدم تقسيط الانفتاح، لأنه لن تقوم لنا قائمة دون العلم والفن والفكر كرأس حربة لوجودنا في هذا العالم، فنحن لن نحارب بالسيف والرمح، ولا حتى بالقنبلة النووية لنثبت وجودنا، فالتدمير لا يثبت وجود الحضارة بل يقتلها. نحن نريد أدوات التفوق بالبناء، التي رفعت شأن دول من العالم، ولكن بمزيد من الجرأة في الحق المؤكد للتطور وعدم إعاقته.
تاريخيا كان سوق عكاظ واحدا من أسواق العرب يحتل الأولوية منها، وكانت هناك أسواق إقليمية في بلاد العرب تأتي محصلتها للعرض في سوق عكاظ. وما كان يأتي للسوق هو أندر ما يوجد ويتفوق في تلك الأسواق من فن وفكر وتجارة، ليثبت بروزه في السوق الأخير (سوق عكاظ) فيفوز أو يعود لبلده بانتظار عام آخر، وكانت رعاية التميز في الآداب تنقل القصيدة لمركز بلاد العرب ليقرأها حجاجهم معلقة على جدار الكعبة، ولا أستبعد أن أمور التميز الأخرى كانت تحكى وتتداول في هذا السوق الذي هو مؤتمر عربي للتبادل المادي والفكري قبل التاريخ، ويجري الحديث بأخباره عاما كاملا تنقله الركبان.
أعود لأقول إن سوق عكاظ مكان تاريخي؛ لكن ليس بالضرورة سوقا للتراث والتاريخ وإن جملة ذلك التاريخ الطويل من المعرفة الأدبية والعلمية التي أعطتنا أجمل ما في تاريخنا الجاهلي فنحن اليوم ننتظر منه أجمل ما في إنجازنا العلمي والأدبي، ولا أحسب أحدا من المسؤولين يفكر به على أنه نسخة أخرى لمهرجان الثقافة والتراث، فبدايته تشي بأنه يعود ليكون سوقا معاصرا للفكر والعلم والآداب والاقتصاد. وهذا المنطلق هو ما سيحمي سوق عكاظ من أي جنوح ليكون معرضا سياحيا للتاريخ حتى وإن جملت موجوداته لوحات من تاريخه القديم، ورفع رايته القديمة التي كانت تعني تجمع العرب لعرض أجمل ما وصلوا إليه في البيان والسلع والمتاجرة.
التأكيد على أن سوق عكاظ يعود عصريا هو جهد كبير يستلزم وعيا بتشجيع العلوم والآداب المعاصرة، ورصد جوائز أكثر للعلم والمتعلمين والمتفوقين في التصنيع والتصدير لتعم الفائدة منه وبه. وأعيد القول لختام هذا بأننا في حاجة إلى الجرأة في تغيير المفاهيم في الفكر ليكون سوق عكاظ سوق العقل والعمل، والإنجاز العلمي
نقلا عن الاقتصادية
