سؤال استراتيجي ومجتمعي يبرز دور الفئات ذات العلاقة المباشرة بممارسة دور الرقيب على المجتمع وفق فرضية الاحتساب وهي فرضية لها ضوابط ولكنها ترتبك عندما تخرج عن دائرة ضوابطها الشرعية.
بالعودة إلى أصل فريضة الاحتساب بالدين نجد أن شروطها تتطلب الكثير من المعايير والخطوات الإجرائية لكي تتحقق فكرة الاحتساب بشرطها الديني والذي يلبي حاجة المجتمع لدرء وقوعه في المنكرات أو التحفظ على بعض الممارسات التي يمكن رؤيتها من زوايا مختلفة لكي يتم الإثبات والتحقق من كونها يجب أن ترفض أو يجب أن تقبل.
القواعد الشرعية للاحتساب تعاني اليوم من تداخلها مع الأهواء الشخصية والتفسيرات الفردية وهو ما أثّر على مفهوم الاحتساب كمكتسبات اجتماعية وليس أهواء فردية..
القواعد الشرعية للاحتساب تعاني اليوم من تداخلها مع الأهواء الشخصية والتفسيرات الفردية وهو ما أثّر على مفهوم الاحتساب كمكتسبات اجتماعية وليس أهواء فردية، والحقيقة أن أي احتساب مهما كان نوعه وأراد أن يبتعد بمقصده عن حاجات المجتمع بجميع فئاته فهو مقرون بالأهواء الشخصية والفردية التي تبعده عن مقصده الديني الصحيح لأن الهدف الأساسي لأي مسار إصلاحي للمجتمع ينطلق من الحاجات المشتركة بين أفراد المجتمع لصالح المجتمع وليس مصلحة الفرد.
ومما ذكره ابن تيمية في الحسبة في الإسلام "فيما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعاً ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه" انتهى كلامه.
نحن اليوم في القرن الحادي والعشرين وأمام تركيبة مجتمعية مختلفة في جميع الخصائص كما أن المعرفة المجتمعية وحقيقة المجتمع الفكرية والثقافية تعاني من قصور في دراساتها بل لا يوجد مختصون في المجتمع ودراساته بينما يوجد مئات العلماء في مجالات دينية وغيرها ولكن هذه الفئات من العلماء بما فيهم العلماء الشرعيون ينقص الكثير منهم معرفة مجتمعية تشرح لهم حجم التطورات التي تحدث في المجتمع وكيف تتغير نظرته للواقع والحياة.
اليوم ومع قصور المعرفة المجتمعية الكاملة لدى الكثيرين وخاصة من قليلي الخبرة أو ما يمكن تسميتهم (وجبات الاحتساب السريع) فقد أصبحت الرؤية للمجتمع تنطلق من المعرفة والعلم الموروث الذي توارد إلينا من الأسلاف على اعتبار أن المجتمعات لم تتغير وهنا من الناحية الاجتماعية تكمن المشكلة والهوة بين ممارسي الاحتساب وبين المجتمع فتكمن المشكلة في أن المحتسب ينظر إلى المجتمع وفق رؤية أساسها علم لم يختبر تطبيقه على الواقع المجتمعي الحديث ويكون ذلك مقروناً بغياب كامل عن التطورات المعرفية والحقائق التي يضخها العالم من تطورات فكرية وتقنية وثقافية.
على الجانب الآخر يكون المجتمع في مسار مختلف وبدلا من أن ينتظر المجتمع علماً شرعياً يؤصل له تلك المستجدات ويفسر له تلك التحولات البشرية الحديثة التي وصلت إليها المجتمعات العالمية وتأثر بها المجتمع المسلم فإنه يجد من يقول له إن عليه أن يتصرف ويفكر وفق رأي أو اجتهاد شخصي لمجتمع مختلف عن مجتمعه من حيث الزمن والمكان والبيئة السياسية.
الأزمة المجتمعية تكمن في الوصول إلى عملية توافق بين المنطلقات الأساسية لفكرة الاحتساب وبين التحولات المجتمعية التي وصلت إليها البشرية اليوم، ولذلك نجد أن المجتمع الذي رضي بفكرة الاحتساب قبل عقود عندما كانت فكرة الاحتساب تنطلق من حاجات المجتمع وليس من مصادر أخرى نفس المجتمع يتحول اليوم ليوجه الأسئلة الصعبة للمحتسبين دون أن يجد منهم تفسيرات واضحة لماذا يرفضون هذا أو يقبلون هذا.
الاحتساب ضد المعرفة وهو ما يتكرر بشكل سنوي في معرض الكتاب على سبيل المثال يقابله الكثير من التساؤلات لماذا يحدث مثل هذا، فعلى سبيل المثال يتم الاحتساب على الأشخاص قبل الأفكار وهذه مرحلة خطيرة عندما تتحول فكرة الاحتساب من الحفاظ على المجتمع إلى تصفية افراده فالكثيرون من المحتسبين الهواة إن صحت التسمية، عليهم أن يدركوا حقيقة اجتماعية تقول ان الفرد لا يمكن أن يفرض فكرة أو منهجاً ما لم يكن قادراً على شرح تلك الفكرة أو الهدف للمجتمع لذلك فإن الخوف من الأفكار الفردية وتأثيرها على المجتمع لا يتوافق أبداً مع الحقيقة العلمية لعلم الاجتماع، والفرد المؤثر حقيقة اجتماعية لا يمكن غيابها ولكن ذلك معتمد بشكل أساسي على قبول المجتمع لذلك الحقيقة المؤكدة هي دائما ما يؤثر في المجتمعات.
لقد كنت أتساءل كيف يبحث محتسب عن كتاب أو فكرة يعتقد أنها مخالفة لحقيقة يراها هو بعينه وينسى أن المسلمين في كتابهم الكريم يقرؤون وبشكل يومي الآية الكريمة (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) القصص، الله سبحانه وتعالى يذكر في كتابه قصة مدعي للأولوهية وقصص كثير عن عصاة كفروا بالله سبحانه وتعالي ومع ذلك يذكرهم في كتابة ولا يخشى على المسلمين من أفكارهم.
إن فكرة الاحتساب ضد المعرفة هي فكرة ضد العلم والعقل الذي يقود الإنسان إلى الإيمان بالله حيث قال سبحان وتعالي في مواضع كثيرة في كتابه الكريم ومنها (وَمَا عندَ اللَّه خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقلُونَ) القصص.
متغيرات كبرى تحيط بالمجتمع تقربه من التناقض بدرجة أكبر من التوافق مع معطيات الحياة الحديثة والسبب في ذلك أن فكرة الاحتساب إذا كان الهدف منها لدى البعض هو حماية المجتمع فإن ذلك يتطلب تطوير الأفكار الاحتسابية وتغيير المنهجيات التقليدية لأن مواقع التأثير في العقل المجتمعي توجد في المنازل حيث لا يمكن الوصول إليها واكتشافها ومعالجة آثارها.
الاهتمام بالمجتمع والخوف على مكوناته الأخلاقية والقيمية أصبح مطلباً اجتماعيا مقرونا بالمشاركة وقبول الآراء المختلفة وتقبل المجتمع كما هو ويكون ذلك عبر تجديد المنهجيات والأساليب التوعوية وفقاً لمعطيات حضارية وتقنية أصبحت تصل إلى الفرد وترسم علاقته بالمجتمع قبل أي مؤثر آخر، وهذا ما يبرر الرفض التدريجي لأي ممارسة وأي وصاية تحت أي بند اجتماعي مقرون بالتشدد في المواقف أو الآراء.
نقلا عن الرياض

