هو مجرد تقرير استقصائي واحد تستطيع من خلاله أن تشاهد موقع بني يعرب على الخريطة الكونية. بوضوح أكثر شفافية: تخلص من قراءة هذا التقرير لتكتشف أن (الوجه والعقل) العربي غريب على هذه الأرض وبشجاعة أكثر كشفاً للزيف والتضليل، هو لا يعيش مع بقية الأمم الأخرى على هذه الأرض إلا عالة على المنجز الإنساني لكل الأمم والشعوب من حوله.
ما هذا التقرير وما العبر من خلاصته؟
في بحر الأسبوع ما قبل الماضي نشرت دار (أوكسفهام) البريطانية للأبحاث والدراسات الدولية تقريرها السنوي عن أهم مئة منجز وصلت إليه البشرية خلال عام 2013 الماضي في شتى فروع العلوم والتقنية والآداب والفنون، بل في كل ما لا يخطر على بال من المعارف والاختراعات ووسائط الاتصال وطرق الترفيه. من أفضل رواية في العام المنصرم إلى أهم اختراع هندسي. من أهم فيلم وثائقي قصير إلى أكثر الأبحاث المختبرية لمحاربة سرطان القولون الذي يقول عنه التقرير إنه سيتحول إلى مجرد "مغص" معوي في نهاية العام القادم. من أهم موقع تواصل إلكتروني إلى أجمل فكرة بيئية على وجه هذه الأرض، وبكل الاختصار لم ألمس في هذا التقرير نسيان أو تجاهل فكرة أو مشروع أو بحث، مما زاد من إيماني بخرافة رقم "المئة" بوصفه كمال النسبة المئوية.
سأقول لكم: لم يرد في هذا التقرير الاستقصائي عن أهم مئة منجز كوني خلال عام 2013 اسم دولة عربية، لم يرد فيه اسم مدينة، لم يرد فيه اسم جامعة أو مركز أبحاث، لم يرد فيه اسم مشروع أو فكرة أو بحث. وباستثناء ما قرأته عن اسم "مايكل سليمان" من جامعة "هيوستن" الأميركية في أبحاث الطاقة لم أقرأ من بين عشرات الأسماء سوى نصف اسم عربي بالمشاركة أيضاً مع ثلاثة أسماء أميركية في ذات البحث وأيضاً من جامعة أميركية. ولا تظنوا أبداً أنني قرأت في هذا التقرير مجرد أسماء أميركا وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية وربما أيضاً الهند وماليزيا والبرازيل. على العكس تماماً قرأت في هذا التقرير المدهش مشاركة كونية لشتى الأمم والشعوب إلا ما خلا من غرابة "الوجه واليد واللسان" العربي. أفضل فيلم قصير جاء من أوكرانيا، وأروع فكرة هندسية للبناء المعماري البيئي كانت من قلب "أكرا" الغانية الأفريقية. هذا من تعامد الشمال والجنوب. من الشرق فازت "تايلاند" بأفضل مدرسة لمشروع تعليمي تجريبي، ومن الغرب فازت "أروجواي" بأفضل فكرة للاقتصاد الهيدرولوجي لمياه الشرب في العاصمة "مونتفيدو".
لماذا غاب العرب تماماً تماماً لا عن المنجز "المئوي" في عام واحد، بل عن كل المنجز الإنساني في قرن كامل غيّر معالم البشرية؟ السبب الجوهري أنه الغيبوبة عن "عصر العلم" كما هو عنوان كتاب أحمد زويل الذي كتبه من "كال تك" الأميركي لا من جامعة الإسكندرية. السبب الجوهري أن في الخريطة العربية خمسة آلاف جامعة وهمية كاذبة لم تستطع سوى ثلاث منها منافسة أفضل 500 جامعة عالمية، ولم تصمد منها سوى جامعة واحدة للمنافسة على قائمة "المئتين" لنصف سنة قبل أن ترجع القهقرى إلى مواقع أخواتها الأصلية.
هنا نعود للسؤال الذي يطرحه بالهمس هذا التقرير: أين ذهب خراج 30 مليون طفل عربي ذهبوا إلى الصف الأول الابتدائي على الخارطة اليعربية عام 1990؟ وما هو منجز فرد واحد منهم بعد 24 عاماً تمثل في المعدل دورة تعليمية تربوية مكتملة؟ ماذا سنقول لأنفسنا أمام هذا العالم التنافسي حين تقول أرقامنا إن 70 مليون عربي يذهبون كل صباح إلى طوابير التعليم العام، ومثلهم 30 مليون طالب جامعي في ضيافة خمسة ملايين مدرس وأستاذ وباحث في الجامعات العربية، ثم يأتي هذا الخراج المخجل في أن اسماً عربياً أو جامعة أو فكرة أو بحثا لم تستطع على الإطلاق أن تقتحم قائمة مفتوحة من مئة صنف في شتى المعارف البشرية خلال عام كامل.
بقي لدي بعض الأسئلة المخجلة ولكن تنقصني معها المساحة؛ مثلا ماذا سأضيف لبني يعرب لو أنني شاركت في هذا التقرير؟ هل سأفضح فيه روح المؤامرة لأسجل بالتقرير ما قالته قناة "الجزيرة" الآن من أن شعار "رابعة" المؤدلج الكئيب يرتفع في اليوم بالتكرار خمسة ملايين مرة؟..
هل سأكتب أن بشار الأسد لا يجد سوى المسامير المخلوطة بروث الأغنام في براميله المتفجرة؟ انتهت المساحة..
نقلا عن الوطن السعودية
