كل عام وأنتم والأمة الإسلامية وهذا البلد الكريم بخير وأمن وأمان، كل عام والحجاج بخير وسلامة، وينعمون برحلة روحية عظيمة هانئة آمنة مع حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور. وبهذه المناسبة أرفع أسمى آيات التهاني بنجاح موسم الحج لهذا العام إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وإلى ولي العهد وولي ولي العهد، وإلى كل من ساهم وعمل واجتهد في نجاح أعمال الحجيج من جميع الوزارات والهيئات.
بلا شك كان عملا جبارا أن تجتمع كل تلك الحشود من البشر في مكان واحد وزمن واحد وحركة واحدة لا ينقصهم كوب ماء، ولا رغيف خبر، يأمن بعضهم بعضا بالرغم من اختلاف الانتماءات الحزبية والسياسية والدينية والخلفيات العرقية، إنه جهد جبار من مخلصين خصهم الله بخدمة الحجيج العظيمة.
وإذ نشيد بذلك كل عام، فإن الملاحظ أمامنا أن مسألة الخدمات التي ترافق الحجاج قد تزايدت بشكل مهول من عام إلى عام، وأن الطلبات على مزيد من الخدمات تتزايد أيضا، وهذا كله يتطلب تسخير أرقى ما توصل إليه العصر من تقنية وأجهزة اتصالات وشبكات إلكترونية، إضافة إلى مطالب لا تنتهي بتطوير تقنية النقل والمواصلات، وخدمات التغذية والخدمات الصحية المتقدمة، وإذا كنا متأكدين تماما من قدرة الحكومة على توفير الدعم الكافي لتطوير الخدمات فإن القضية تتطلب حتما تطويرا في خدمات الصيانة المستمرة لهذه التقنية والمحافظة على مستوى أداء متطور ومراقبة بشكل منتظم من عام إلى عام مهما تطورت التقنية وأنواع الخدمات، ومهما زاد الحجيج وتطورت احتياجاتهم.
إننا نعرف جميعا أن الحج يدار من خلال نظام الإدارة والمحاسبة الحكومية التي تقوم على نظم قياس خاصة مثل الأساس النقدي والأساس النقدي المعدل، ونظم الإدارة البيروقراطية، فهي من خلال هذه الأسس تنظر إلى الأصول التي تم الحصول عليها ونشرها في خدمة الحجاج كأصول استهلاكية تنتهي وتنقضي تماما بمجرد استخدامها، ولا يوجد متابعة لمستوى الاستهلاك وتقدير كافٍ للعمر الإنتاجي وتخصيص مبالغ سنوية من أجل تعويض ما تم استهلاكه من الخدمات، وذلك للمحافظة على الأصول واستبدالها عند الحاجة. فالمحاسبة الحكومية المتبعة لدينا اليوم تقوم على أسس رقابية صرفة، لا تراعي مفاهيم مثل المحافظة على رأس المال، ووفقا لهذا فلا أحد يهتم بما انقضى من خدمات الأصل طالما هو قادر على العمل حتى إذا توقف فجأة عرف الجميع بأنه لم يعد صالحا للعمل ويتم المطالبة بتغييره حينئذ، فإذا لم تكن الجهة الحكومية قد خصصت له مبلغا في ميزانية ذلك العام، فإنه عليها الانتظار حتى مشروع الميزانية التالي لرصد مبالغ لاستبدال الأصول المستهلكة. وإذا كان مثل هذا يمكن أن ينجح مع أصول صغيرة مثل الأجهزة والمكاتب وبعض البرامج، فإن المسألة تتعقد إذا كانت الأصول ضخمة مثل مبانٍ وطرق ومقار وقطارات، وطائرات، ومحطات كهربائية أو تحلية مياه مثلا، مثل هذا يحتاج إلى وقت طويل من أجل رصد مبالغ في الميزانية ووقت من أجل ترسية المشروعات على الشركات المتخصصة ووقت أطول من أجل التنفيذ. وهذا سيتسبب في ضياع الوقت وتقليص الخدمات إلى حد كبير وهو ما يعانيه المواطن في الكثير من المشروعات داخل المدن والأحياء، حيث تظل الخدمات تتراجع حتى تقف عن العمل تماما، بالرغم من وجود مبالغ مرصودة في الميزانية إلا أن البيروقراطية الحكومية قد تؤخر التنفيذ، ثم إذا بدأت أعمال التطوير توقفت الحياة في تلك المشاريع حتى ينتهي العمل، وإذا كنا في العادة نقبل بمثل هذا التوقف أملا في حياة ما بعد التطوير، فإن حدوث مثل هذا العطل في بعض خدمات الحج - لا قدر الله - قد يكون مؤلما.
ولهذا أنادي - كما ناديت من قبل - أن الوقت قد حان لإنشاء شركة حكومية للحج (في المرحلة الأولى على الأقل) تنقل إليها كافة الأصول القائمة مثل القطارات والمقار الحكومية والنقل، والمخيمات، والخدمات الصحية، وتطوير البنية التحتية بالكامل وصيانتها، ويمكن أن تبقى خدمات الأمن في المرحلة الأولى تحت ذراع الدولة. يجب أن تعمل هذه الشركة بأسلوب وطريقة القطاع الخاص مثلها في ذلك مثل الخطوط السعودية وشركة الكهرباء، وتحصل على مواردها من العقود التي تبرم بينها وبين الوزارات المختلفة، ومن خلال تأجير المواقع المطورة ومن خلال الخدمات التي توفرها للحجاج.
ليست هذه الشركة بديلا عن وزارة الحج فالوزارة ضرورية للكثير من المهام، لكن إدارة الأصول المتوافرة حاليا تحتاج إلى أسلوب الشركات الهادفة للربح، الذي سوف يعين في توفير أفضل أساليب الرقابة على هذه الأصول، وتطبيق طرق الاستهلاك، والاستنفاد حسب المعايير المحاسبية المتعارف عليها، مما يجعل هذه الأصول جاهزة دوما لتقديم أفضل الخدمات، كما يمكن استبدالها في الوقت المناسب دون التأثير في ميزانية الدولة أو انتظار الدورة المستندية الحكومية، أضف إلى ذلك أن الشركة سوف تعمل من أجل استقطاب وتوظيف الكثير من أبناء الوطن من الجنسين وما يجعلها تسهم في حل البطالة وتكون بابا للرزق، كما أن حاجة الشركة المستمرة إلى التطوير تجعلها - إضافة إلى جهود وزارة الحج - تعمل على دعم الأبحاث والتطوير في جانبها. وكل هذا سوف يظل خاضعا للإشراف الحكومي من خلال وزارة الحج، وزارة المالية والصناديق الاستثمارية الحكومية التي ستسهم في رأسمال هذه الشركة.
إن النظر بتمعن إلى حجم الأعمال في الحج وتشتت أمرها بين الجهات الحكومية التي لديها الكثير من المشاغل والاهتمامات بخلاف الحج، وأيضا مع النظر إلى حجم الاستثمارات الحكومية الحالية والمرتقبة في المشاعر، وبالنظر إلى التجارب الناجحة للعديد من الشركات الحكومية مثل "دبي العالمية" و"سابك" وغيرهما، يشير إلى النجاح المرتقب لشركة الحج وليست تجربة شركة أرامكو الناجحة عنا ببعيد وهي يوكل إليها اليوم أمر تنفيذ المشاريع الحكومية، التي عجز عنها القطاع الخاص السعودي غير المتخصص.
نقلا عن الاقتصادية
