تجاهل روح الإنسان من ثقافته الأرقى، أو تأطير الثقافة الأصيلة لحساب ثقافة السائد والسطحي، سمة المنتج الإعلامي التجاري خلال الثورة الاتصالية في ربع القرن الماضي، لأن السلطات السياسية في العالم العربي أرادت أن يكون المنتج الإعلامي السطحي بديلا للثقافة الأرقى، فالثقافة صداع .. فما النتيجة اليوم؟
أنتجت ثقافة الإثارة والسائد مجتمعا منقسما حول الأبيض والأسود، ومتهافتا على البسيط والساذج، لا يملك تقييم حالة الوجود القيمي، لأن ثقافة القيم بكل حاوياتها الثقافية مغيبة، وهذه الثقافة السطحية غيبت العالم في أمور الدين، وأنتجت واعظا اجتماعيا مثيرا، قليل العلم الشرعي، صنع منه الإعلام قدرات خارقة في الفتيا وتفسير الأحلام، وأحيانا تجده متجاوزا حدوده الإقليمية، كما أنتجت السطحية الإعلامية دراما وكوميديا مفصومة من الثقافة الأساسية للمجتمع وتستقي إثارتها من الشاذ في حياة الناس والجريمة البشعة، بصفتها المثير الأقوى، مع طرح جنسي جسدي لإثارة الغرائز في الإعلام التجاري، وصناعة لنجوم وهميين في الفن والحياة.
من المبالغة أن نطلب الخروج من هذا الإعلام الواقعي السطحي بكل سلبياته لإعلام نظيف؛ لكن لا بد للتوازن الاجتماعي من تفعيل فكر ثقافي عميق يعتمد جذور ثقافة المجتمع الأساسية وتصنيعها للإعلام لإذابة المكون الاجتماعي في عموم ثقافة الإنسان والقضاء على النعرات القبلية والطائفية، والتركيز على صنع أعمال ثقافية جماهيرية تشاركية في مشروع وطني للخروج مما نعانيه من غياب للعقل.
ما نعانيه من إعلام سطحي جاء بفعل فاعل من تغييب ثقافة القيم لحساب الثقافة السطحية خارج أي مشروع فكري، وكي أختصر المطول فإن صناعة السطحية الثقافية هي محضن كل الشرور التي تأتي من سوء الفهم وسوء التقييم، وصنع ردة الفعل العنيفة من قبل الفرد، وهي منتج رأسمالي غربي بوضوح.
السنين الماضية كانت حرب البسوس على الثقافة النخبوية العميقة، والعلم العميق في الإعلام لمصلحة ثقافة سطحية لإبقاء الدول المتطلعة للاستقلال وصناعة مستقبلها في رباط التخلف، بتأكيد الفعل الثقافي السطحي الساذج وربطه بوسائل جماهيرية لنشره بحجة أن كل عمل ثقافي قيمي يصعب تصنيعه للإعلام (ولا يقبله الجمهور) وهذه حقيقة، فالإعلام ليس لغة التشارك في الفكر، لأنه أداء خبري واقعي، لجماهير عريضة، عكس العروض الفنية القيمية مثل السينما والمسرح، وحفلات الموسيقى الراقية التي لها صيغة المشاركة الوجدانية وتبادل الأثر والقابلية لبث فكر راق، وكلها غيبت من حياة المجتمع ففقدنا التوازن المعرفي والثقافي لحساب السطحي الإعلامي.
ما أدعو له عودة ولو جزئية تخترق سطحية الطرح الإعلامي السطحي بنشر ثقافة المجتمع الأصلية، وتفعيلها بالمعطى الثقافي العميق، وليس السطحي، وتنميتها بصفتها تنمية بشرية مدعومة بعلوم العقل والمنطق هي الطريق للخروج من دائرة الشر التي يذكيها غياب القيم الاجتماعية الثقافية الحقيقية.
نقلا عن الاقثصادية

