من طبيعة المجتمعات والثقافات القديمة هي انفصالها وتباعدها تقريبا عن بعضها. صحيح أن هناك أفرادا ورحالة يجوبون البلدان، لكن اللقاء بين ثقافتين قديمتين كان نادرا وإن حدث فإنه يحدث بالغزو أو الاستعمار. مثلا: العلاقة بين العرب والفرس، أو العرب والأندلس قبل الفتوحات الإسلامية ليست علاقة ثقافية بالمعنى الذي نقصده، بل تبادل ثقافي على مستوى الأفراد، هنا يكون تصور كل ثقافة عن الأخرى ناتجا عن النقل لا التفاعل: عن طريق ما يكتبه الرحالة مثلا. وهو طريق غير مأمون في حقيقة الأمر، فلا يمكن لرحالة ما أن يعكس صورة صحيحة للثقافة الأجنبية لأن هذا فوق قدرته. بعد الفتوحات صارت الثقافتان تقريبا ثقافة واحدة، مع هيمنة الغالب على المغلوب حسب المبدأ الخلدوني.
على كل حال، المهم في هذه المقدمة أن التفاعل أو اللقاء بين ثقافتين قديما لم يكن وديا في الغالب بل كان حربيا استعماريا. من هنا أصبح
«الآخر» من وجهة نظر الثقافات القديمة يشكل عدوا محتملا. لكن مع تطور البشرية ونمو الصناعة التقنية أصبح التواصل الحضاري أفضل من السابق. صار هناك شعور بالعالمية بين الأمم وتعاظم التبادل التجاري بينها والذي كان بوابة التبادل الحضاري. في أواخر القرن العشرين إلى اليوم ظهرت الثورة التكنولوجية في الاتصال والمعرفة. مع الإعلام الفضائي والإنترنت وشبكات التواصل العالمية أصبحت الثقافات أقرب إلى بعضها بعضا مما كان عليه الأمر في السابق. هذا التقارب هو نتيجة لما يسمى العولمة والقرية الكونية.
بعض الثقافات المتأخرة عن ركب التطور التقني والعلمي اقتصرت على استهلاك التقنية دون أن يتطور الوعي الكوني لدى أفرادها، فليس هناك حس بالمشاركة الإنسانية وإنما لايزال أفرادها خاضعين للفكر الإقليمي أو القومي الضيق بمعايير اليوم. استهلاك التقنية دون تطوير الوعي أدى إلى تكريس العادات القديمة من خلال التقنية ذاتها. وهذا التكريس أبقى الثقافة مجتمعا وأفرادا على تصورها القديم عن «الآخر» بوصفه عدوا ممكنا ومهددا للثقافة.. إلا أن الأمور لا تبقى على حالها وإنها آخذة في التغير. فبعض أفراد هذه الثقافات التي يمكن أن نسميها التقليدية تأثروا بالتقنية بصورة صحيحة وأدركوا أنهم جزء من العالم ومن حضاراته وأن «الآخر» ليس ذلك العدو المتخيل، بل هو شريك لهم، وأن الغزو لم يعد هو السبيل الوحيد للقاء الحضاري، فالحوار والاتصال الثقافي هو طريق اللقاء.
المشكل أن هؤلاء الأفراد القلة بالقياس إلى السواد الأعظم صارت الثقافة تعاملهم على أنهم «آخرون» بنفس المعنى القديم. على سبيل المثال: حينما يطرح «سعودي» أو «سعودية» طرحا مغايرا للثقافة السائدة فإن أساطين هذه الثقافة وأتباعهم يبدؤون فورا بتجريده من «جنسيته» تمهيدا لتجريده من «دينه» .. ففي نظرهم أنت «آخر» ولست سعوديا. إلا أنها مرحلة مؤقتة ستزول عما قريب حينما يبدأ الفرد المحافظ بالتعرف على «الآخر» السعودي و «الآخر» الأجنبي، كما حصل في تاريخ الحضارات التي تطورت من الصراع إلى الحوار..
في مرحلة ما قبل التعرف، والتي يمكنني القول إننا كسعوديين نعيشها اليوم، ثمة علاقة حادة ومتوترة جدا بين الطرفين: المحافظ والمجدد. هذا التوتر ينعكس على لغة الخطاب «تأمل مثلا في البرامج الحوارية والمنتديات والتويتر» . ولا يمكن لي أن أسميه حوارا حتى الآن.. فالحوار الحقيقي يستلزم وجود تصور صحيح لـ «الآخر» على أنه ليس عدوا. فالعدو ليس مناطا للحوار بل للصراع والاقتتال وتبادل التهم
نقلا عن عكاظ
