فعل التاريخ في الواقع فعل كبير ومؤثر. يظهر ذلك من خلال حجم علاقة الناس فيما بعضهم البعض ليس من خلال العلاقة المباشرة البسيطة بل من خلال العلاقة ما بعد المباشرة أي الثقافية والاجتماعية والسياسية والتي هي في مجملها علاقة لا تتسم بالتعايش بل بقدر كبير من التوجس الفكري والديني والطائفي. ذلك التوجس الذي يفترض في المختلف فكريا أو عقائديا أو جنوسيا أو غيرها، أنه خارج منظومة فعل التأثير الإيجابي، بل هو تأثير سلبي متبادل لها جذور تاريخية غالبا ما تأصلت منذ زمن طويل وتجذرت تجذرا يصعب الفكاك منه على المستوى القريب. ولعل التفكير الطائفي بين أبناء المسلمين هو أكثر المشكلات التي كانت ولازالت محملة بالكثير من الحمولة التاريخية، فما أن تأتي أزمة سياسية أو دينية إلا ويتم استرجاع هذا التاريخ بكامله في لحظات مع شحن مبالغ فيه له أكثر من ألف سنة تقريبا، مع أن المساحات المشتركة بين الفرق المتنافرة تاريخيا وسياسيا كثيرة جدا ويمكن لها أن تتحقق على أرض الواقع بعيدا عن التاريخ.
سؤال التاريخ وسؤال الواقع لا يمكن أن ينتهيا في تأثير بعضهما ببعض، خاصة في جانب الأول على الثاني، وإذا كانت المعطيات التاريخية ولا تزال تؤثر في الواقع العربي، فإنها تبقى معطيات تاريخية فالواقع الجديد يتشكل وفق رؤى مغايرة عما كان تاريخيا، وفي رأيي أن محاولات إنزال التاريخ على الواقع هي عملية توفيقية لا تعدو ردما بين هويتين متباعدتين بين ماض يغرق في بعده حتى مع تأثيره على الواقع المعاش، وواقع يوغل في واقعيتيه أكثر، خاصة مع تشكل مفهوم الدولة الحديث الذي مازلت أصر دائما على علمانيته في الجانب الغربي إذ لا يوجد لها أي معطى حقيقي في الجانب العربي حتى مع تلك الدول التي حاولتها في فتراتها القومية شكليا لا حقيقيا، بمعنى أننا لو فتشنا حقيقة فلن نجد دولة عربية علمانية تعمل بحيادية الدولة في المجال العام في الجانب العربي. الواقع العربي الجديد يتشكل وفق معطيات جديدة بعد الثورات الشعبية لكنه تشكل مايزال ضبابيا حتى الآن مع كل ذلك الفعل الديمقراطي الذي حصل، فماتزال هناك قضايا في صلب الديمقراطية لم تتضح كمفاهيم الحريات الشخصية والدينية، ومدى حدود الدولة في المجال العام والخاص، وما إلى ذلك.
إن الوقع الجديد يفترض علينا محاولة الإجابة على كثير من القضايا التي تشغل الفكر العربي منذ فترة طويلة، وإذا كان الفكر العربي فكرا ذا بنية تاريخية، فإن سؤال التاريخ وتأثير قضاياه في الواقع هو سؤال في صميم عملية تشكل الواقع للواقع، وأعني بهذه العبارة تشكل الواقع على معطياته الواقعية، وليس على معطياته التاريخية. هو واقع الديموقراطية في حلقة من حلقاتها الأولى (سنة أولى ديمقراطية) مما يجعل مفهومنا لما يتشكل واقعا محملا بجانبه التاريخي والمقاربات بين الواقع والتاريخ هي مقاربات متداخلة في كثير من الكتابات الفكرية والعمل السياسي والجوانب الروحية والقيمية للمجتمع العربي.
إن السؤال المهم (محرج للعقل العربي خاصة مع وصول الأحزاب الإسلامية للحكم في أكثر من بلد عربي) هو في مدى تأثير التاريخ في الواقع وتشكيله؟، وما مدى تقارب مفهوم الدولة الحديث مع مفهومها تاريخيا؟، وهل ستكون هناك قطيعة مع هذا التاريخ؟، (ليس القطيعة بمعناها الإلغائي بل بمعنى التجاوزي)، وهل سيبقى هذا التاريخ متحكما في الرؤى الواقعية مما يجعله امتدادا جديدا للتاريخ ؟.. الحكم المسبق سيكون مشكلة فكرية فيما لو حاولنا الإجابة على هذه الأسئلة، إنما هي أسئلة أراها في صلب عملية التشكل الواقعي، مما يجعل سؤال التاريخ وسؤال الواقع وعلاقتهما في صناعة الحاضر من أهم الأسئلة التي لابد أن نطرحها بوضوح لنحدد مفهومنا للواقع ومفهومنا للتاريخ، إذ لا أراهما مطروحين كما ينبغي في تشكيل الواقع الجديد
نقلا عن عكاظ
